الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر

د. عبد الوهاب المسيري

فيلسوف علمانى عدمي ألمانى، أول من عبر بشكل منهجى وصريح عن النزعة التفككية فى المشروع التحديثى والاستنارى الغربى الذى يدور في إطار العقلانية المادية، ومن ثم فهو فيلسوف الاستنارة المظلمة واللاعقلانية المادية بلا منازع. وقد كان ابناً لواعظ بروتستانتى، درس الأدب الألمانى والديانات وفقه اللغات الكلاسيكية. وعين أستاذاً لهذه المادة الأخيرة فى بازل بسويسرا حيث أصبح من المواطنين السويسريين. خدم لفترة قصيرة فى الحرب الفرنسية البروسية (1870 - 1871) فى الجانب البروسى، وعاد إلى بازل بصحة متهدمة، ثم نشأت صادقة بينه وبين الموسيقار فاجنر سرعان ما انتهت حين تصالح فاجنر مع الإمبراطورية الألمانية الناشئة التى كان يمقتها نيتشه. تأثر بفلسفة شوبنهاور وكاتب لانج تاريخ المادية. اعتلت صحته نظرا لإصابته بالزهرى. فعاش فى شبه عزلة فأصحبت عيناه نصف ضريرتين وكانت تنتابه نوبات صداع حادة وآلام جثمانية متعددة. وظل الناس يتجاهلون كتاباته حتى بدأ الناقد الدنماركى ورج براندز (المولود باسم كوهين) فى إلقاء محاضرات عنها فى كوبنهاجن عام 1888. واكتسب نيتشه شهرة عالمية واسعة دون أن يعلم ذلك، وأصيب بانهيار عقلى وجثمانى فى يناير 1889. وبقى مجنونا حتى وافاه الأجل (ولعله قد يكون مفيدا من الناحية التفسيرية دون أى انحراف عن أسس البحث العلمى أن نطرح تساؤلا بخصوص علاقة مرض نيتشه بفلسفته، خصوصا وأنه مرض سرى، أدى إلى خلل عقلى، ومثل هذه الأمراض السيرة لم تكن على ما يبدو أمرا غير مألوف فى القرن التاسع عشر، إذ أصيب بعدواها عد لا بأس به من أعضاء النخبة الحاكمة والثقافية فى أوربا ومن بينهم هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية كما أن فوكوه وريثه الحقيقى مات هو الآخر من مرض الأيدز). 
ومن أهم مؤلفاته: مولد المأساة (1872)، وإنسانى .. إنسانى إلى أقصى حد (1878)، والعلم المرح (1882)، وما وراء الخير والشر (1886)، وأصل نشأة الأخلاق (1887)، ولكن أهم كتبه وأشهرها هو هكذا تحدث زرادشت (1883*. وهو من عيون الأدب والفكر الفلسفى الغربى. 
ولفهم نيتشه لا بد أن نطل إطلالة سريعة على تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة، ففلسفته تشكل لحظة تبلور وتحول داخلها فى غاية الخطورة والأهمية، ولا يمكن فهم إشكالات الفلسفة الغربية المعاصرة  إلا بفهم محورية فلسفة نيتشه. ولق بدأ تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة بظهور العقلانية المادية التى عبرت عن نفسها فى بداية الأمر من خلال النزعة الإنسانية (الهيومانية) فى عصر النهضة التى جلعت الإنسان الواعى مركزا للكون وموضعاً للكمون - ولكن ظهر فىالوقت ذاته فلسفة علمانية جعلت من المادة غير الواعية مركزاً للكون وموضعا للكمون، وتاريخ الفلسفة الغربية هو تاريخ الصراع بين الرؤيتين. وقد تطورت الفلسفة الهيومانية وطرحت صورة للإنسان باعتباره كائنا قادراً على التحكم فى نفسه وعواطفه وعلى غزو الكون وتسخيريه من خلال إعمال العقل،والعقل هنا هو شىء ما داخل الإنسان الفرد والجنس البشرى ككل يجعله يكتشف القواعد الثابتة فى الكون، فكأن العقلانية تفترض وجود ثبات فى عقل الإنسان وقوانين ثابتة في الكون المتغير، بل وتفترض تماثلا بين العقل والكون (والذات والموضوع). وقد تصاعدت هذه النزعة الإنسانية العقلانية فى القرن الثامن عشر، عصر العقل والاستنارة حينما نجحت الفلسفة النقدية والتجريبية فى ان تقضى تماما على الأساس الدينى للمعرفة والأخلاق، وفى أن تجعل المادة المتغيرة وقوانينها هى المرجعية الوحيدة والركيزة الأساسية. ولكنها مع هذا أسست نظما معرفية وأخلاقية تستند إلى نقطة ثبات ما توجد خارج المادة المتغيرة. مثل العقل والطبيعة البشرية وبعض المطلقات العلمانية الأخرى (مثل الحتمية التاريخية - العقل المطلق - الإيمان بالتقدم .. الخ) .. وهى مطلقات  تفترض وجود نقطة ثبات ما وتفترض وجود مركز للكون. كما تفترض وجود حقيقة ثابتة وكليات تشير بدورها إلى الكل الذى لا يرد إلى الأجزاء، مما يستدعى فكرة الأصل وما وراء الطبيعة والأساس الميتافيزيقى. ويعد هذا بالنسبة لكثير من المفكرين الماديين الذين يتسمون بالصرامة شكلا من أشكال التخلف وفشلا ذريعا للفلسفة الغربية: أن تؤسس أنساقا أخلاقية (تسم بالثبات والمطلقية وبالتجاوز) بعد القضاء على الأخلاق المسيحية، وأن تفترض وجو معرفة يقينية للعالم الخارجى بعد القضاء على اليقين الدينى، ففى هذا سقوط فى الميتافيزيقا ومحاولة تحقيق التجاوز داخل إطار المرجعية الكامنة. وهو ما يعنى استدعاء الأصول الربانية للإنسان بدلا من أصوله الطبيعية المادية ويشكل عودة للغيبية والثنائية (الدينية) التقليدية بعد أن أخذت شكلا جديدا ذلك أن افتراض وجود مثل هذه الثوابت يتناقض مع الرؤية العلمانية والعقلانية المادية الصارمة التى لابد وأن ترد الكون بأسره إلى مبدأ واحد كامن فى الطبيعة / المادة لا يتجاوزها. 
لكل هذا، كانت الفلسفة الغربية الحديثة  فى انتظار فيلسوف يأخذ الخطوة المنطقية المتضمنة فى النموذج المادى، ويحرر الإنسان من أى أوهام متبقية عن الثبات والتجاوز والكلية، ويحقق العلمنة الكاملة للمجال الفلسفى بأن يطهره تماما من "ظلال الإله" (على حد قول نيتشه)، أى من أى قيم وثوابت وكليات وثنائيات وغايات (اخلاقية أو معرفية) تتجاوز المادى والمباشر، ويحطم تمام ما  كان الفلاسفة يسمونه فى الماضى (أى قبل نيتشه) مقدسا وخيرا وحقا وجميلا ومطلقا وكليا، ومن ثم يتم القضاء تماما لا على اليقين المعرفى والأساس الدينى للأخلاق وحسب وإنما يتم القضاء أيضا على أى يقين معرفى، بل وعلى مفهوم أو فكرة الأخلاق ذاتها، وعلى أى مركزية لأى كائن إلها كان أم إنسانا، بل وعلى فكرة الوجود الثابت ذاتها وفكرة الكل الذى يتجاوز الأشياء، أى أن العالم بذلك يصبح نسقا سائلا بلا يقين أو معنى أو غاية أو كينونة أو هوية والإنسان يصبح بلا ذات ولا حدود ولا استقلال ولامركزية. وها هو جوهر الاستنارة المظلمة: تحطيم الأوهام الهيومانية وتوضيح العنصر التفكيكى الكامن فى المقدمات الإنسانية الاستنارية العقلانية المادية، ويتم هذا لا بهدف تحرير الإنسان وإنما بهدف تحطيمه هو ذاته وتفكيكه كمقولة ثابتة مستقلة فى عالم الطبيعة المتغير ورده إلى ما هو دونه. وهذه هى قمة الحلولية الكمونية، أن يصبح العالم كتفيا تماما بذاته ، ولا يوجد خارجه شىء ولا يوجد داخله مركز يمنحه التماسك والوحدة والنظام والمعقولية، أى أنه يصبح عالما سائلاً. 
ومع تطور العلوم البيولوجية ظهر أنه يمكن تحقيق هذا الهدف (تطهير الأنساق الفلسفية من كل القيم والثوابت والإحساس بها جميعا) عن طريق تطبيق نماذجها العضوية على المجال الإنسانى. وقد جاء داروين صاحب الغابة الشهيرة الرائعة (وهى كيان عضوى ويُرد إلى مبدأ واحد كامن فى المادة يسمى "الحياة" لا يمكن فهم كنهه تماما) ويعبر عن نفسه من خلال صراع دائم من أجل البقاء، بقاء لا يحققه إلا الأصلح، أى الأقوى، فثمة حركة دائمة فى هذه الغابة، حركة لا يمكن الحكم عليها بمعايير خارجة عنها وتحسم فيها الصراعات من خلال شىء كامن فى كل مخلوق أو فرد: أى قوته. وقد ظهر أن النماذج المعرفية والأخلاقية التى تدور داخل الإطار الداروينى ملائمة تماما للمجتمع الغربى ولرجل أوربا النهم فى منتصف القرن التاسع عشر - عصر الإمبريالية والهيمنة على الكون وافتراس الإنسان والطبيعة. فهو نموذج يبرر عملية الغزو والافتراس باعتبارها تعبيرا عن القانون الطبيعى المادى وعن نواميس الكون، أى أن تطور علوم البيولوجيا وتزايد الهيمنة الإمبريالية يشكلان الإطار المناسب لتصعيد معدلات العلمنة وللوصول بها إلى نقطة التحقق الكاملة. 
وهنا ظهر نيتشه : ابن داروين وشقيق بسمارك (على حد قول جون ديوى) الذى أنجز للفلسفة الغربية ما عجز عنه السابقون عليه، والذى طور رؤية معرفية علمانية إمبريالية لا ينقصها سوى الجيوش والدبابات. وتعود أهميته الحقة إلى أنه ساعد على استكمال الطفرة الفلسفية التى سيتحقق من خلالها النموذج العلمانى المادى ويتعين ويتبلور، فأسس فلسفته انطلاقا من كثير من المقولات الكامنة العدمية للرؤية المادية وأطلق عبارته الشهيرة "لقد مات الإله"، ثم بذل قصارى جهده فى أن يطهر العالم من أى ظلال يكون قد تركها الإله على الأرض بعد موته.
ويمكننا أن نتجاوز المضمون الدينى الإلحادى المباشر لهذه العبارة لنحدد مضمونها ومن ثم تضميناتها المعرفية التى لا تشمل الإله وحسب بل وتشمل الإنسان والكون. ويساعدنا هايدجر فى هذا حيث يقول إن الإله بالنسبة لنيتشه هو "العالم المتسامى"، العالم الذى يتجاوز عالمنا؛ عالم الحواس: الإله هو اسم عالما لأفكار والمثاليات والمطلقات والكليات والثوابت والقيم الأخلاقية.
ويمكننا أن نقول أن العبارة تعنى فى واقع الأمر ما يلى:
1 -نهاية فكرة الإله المتجاوز والمفارق للمادة: المجاوز للطبيعة والتاريخ: الذى يمنح الكون تماسكا وهدفا نهائيا، أى نهاية فكرة المركز الكائن خارج لمادة. هى حلولية كمونية كاملة.
2 -إنكار وجود أى حقيقة ثابتة متجاوزة لعالم التجربة المادية المباشرة وعالم الصيرورة. 
3 -كل هذا يعنى إنكار فكرة الكل ذاتها، باعتباره كياناً متماسكا يعلو على الأشياء، أى إنكار فكرة المركز الكامن فى المادة.
4 -العالم إذن أجزاء لا تشكل كلا ولا مركز لها.
5 -كل هذا يعنى إنكار فكرة العام والعالمى والإنسانى بشكل عام.
6 -كل هذا يعنى نهاية الميتافيزيقا، بل ونهاية فكرة الحقيقة فالقضاء على بقايا الميتافيزيقا المتمثلة فى الحديث عن الكل المتجاوز أدى إلى القضاء على الحقيقة.
وانطلاقا من هذا، أعلن نيتشه أن الإيمان السائد بأن العقل الإنسانى قادر على التوصل إلى علم يستطيع أن يزوده بمعرفة يقينية وأنساق أخلاقية (أى أن يوسع العلم والعقل أن يحلا محل الدين) هو وهم ليس إلا، وأن المركزية التى تخلعها الفلسفة الهيومانية على الإنسان مركزية زائفة، فهو كائن طبيعى ليس له أهمية خاصة. فعند كويرنيكوس،والإنسان يتقدم حثيثا نحو التقليل من شأن الإنسان وقد أصبحت إرادته أن يقلل من شأن نفسه "واحسرتاه"! أين إيمانه بكرامته وفرادته، أين اعتقاده بأنه لا يمكن أن يحل محله شىء فى سلسلة المخلوقات؟ لقد ولى كل هذا بلا رجعة، فقد أصبح الإنسان حيوانا بالمعنى الحرفى الكامل. هذا الى كان فى إيمانه يكاد يقترب من مصاف الآلهة. منذ كويرنيكوس، يبدو أن الإنسان يدور فى سطح مائل، ولذا فإن سقوطه يتسارع إلى ماذا؟ إلى العدمية؟ بل وفكرة الإنسان ككائن مستقل والذات الحرة المستقلة هى وهم آخر. فالذات ليست سوى قناع ووهم ورثناه من عصر النهضة يُرضى غرورنا الإنسانى، بل وأعلن نيتشه أن الطبيعة ذاتها لا قداسة لها، فهى مجموعة من القوى المتصارعة، والحديث عن أى مطلقية - من ثم - هوعبث، فكل الأمور مادية وكل الأمور المادية متساوية. وكل الأمور المتساوية نسبية. إن الفلسفة الحديثة الحقة (حسب تصور نيتشه، تلك الفلسفة التى تحققت فيها اللحظة العلمانية تماما). هى فلسفة تصدر عن فكرة موت الإله وإزالة ظلاله، أى اختفاء أىنقطة ثابتة أو صلبة أو أى مرجعية متجاوزة حيث يجب التحرك داخل إطار مادى طبيعى صارم يتسم بالسيولة الكاملة إذ أنه يساوى بين الأشياء كلها ويسويها. وقد يكون من الأمور التى لها دلالة أن أخذ عبارة وردت فى آخر أعمال نيتشه (1888) كان "ديونيزوس ضد المصلوب" وهى عبارة تعنى "إما أنا أو الإله" أو "إما الواحد أو الآخر". (وفى عبارة شهيرة أخرى تساءل تيتشه: "إذاكان الإله موجودا فماذا أنا إذن؟") بمعنى أنه رأى أنه لا يوجد أمام الإنسان سوى طريقين اثنين: إما أن يتحقق الحلم الإنسانىالهيومانى ونكون ما نريد ونستبعد الإله تماما، أو أن نسقط فى العدم دون عزاء أو سلوى، ونقبل مصيرنا فى صمت مأساوى، وقد أدرك نيتشه أن البديل الأول غير متاح، ومن ثم فلا مفر من الثانى، وقد أعلن نيتشه أن أكثر الضيوف بشاعة قد جاءنا، وأننا دخلنا مرحلة العدمية. 
ويمكن القول أن البنية الأساسية لفكر نيتشه تأخذ شكل حركة من العالم الموضوعى الثابت المستقر الذى يخضع لمعايير أخلاقية ومعرفية خارجة عنه والذى يمكن للذات الإنسانية الثابتة المستقرة إدراكه إلىعالم متغير لا يخضع لأى معايير سوى تلك التي تنبع منه، عالم الكمون الكامل. وهو عالم ترد فيه كل المستويات المعرفية والأخلاقية إلى مستوى أدنى وأقل تحددا وصلابة هو الذات الإنسانية التى ترد بدورها إلى مبدأ واحد فيذوب الجزء فى الكل ويرد الكل إلى مبدأ واحد له أسماء عدة، وهو فى نهاية الأمر وفى التحليل الأخير مبدأ واحد كامن فى الطبيعة / المادة. وهو يأخذ شكل قوة تدفع المادة وتتخلل ثنايا العالم وتضبط وجوده، قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شىء ولا يعلو عليها أحد، وهى النظام الضرورى والكلى للأشياء، نظام ليس فوق الطبيعة وحسب ولكنه فوق الإنسان أيضا، يحوى داخله مقومات حركته وكل ما يلزم لبقائه وفهمه. ورغم سريان هذه القوة فىالعالم إلا أنه لا يتسم بأى توازن. فهو يتكون من مجموعة من القوى المتناحرة والمتصارعة التى ليسها لها بنية واضحة، لأن المبدأ الواحد الكامن فى العالم مبدأ غير عاقل لا يزودها بأى تماسك أو وحدة أو اتجاه أو غاية، ومن ثم فهو عالم صراعى تحكمه الصدفة والفوضى لا ثبات فيه لقيم أو مطلقات، ولعل السمة الأساسية لعالم نيتشه هى أن الإله بالمعنى المعرفى قد انسحب تماما منه وان ظلاله لم يعد لها وجود. ولنقارن هذا العالم النيتشوى بعالم الفلسفات التقليدية والإيمانية بل وعالم العلمانية فى مرحلة هيمنة الفكر الإنسانى (الهيومانى) التى كانت لا تزال فيه ظلال الإله ممتدة فى العالم.
1 -العالم التقليدى:عالم مركزه هو الإله (أو المطلق الإنسانى، أى الجوهر الإنسانى) المتجاوز له، الإنسان فيه (بسبب علاقته بالإله أو بجوهره الإنسانى) جزء مستقل عن الطبيعة يختلف عن الحيوانات، فهو مادة وروح، الإنسان بسبب اختلافه عن الطبيعة يمكنه أن يعرفها ويتأمل فيها ويتجاوزها، كما يمكن أن تقوم منظومات أخلاقية متجاوزة لحركة المادة يحتكم غليها الإنسان.
إن ما يسم هذا العالم هو أن الإله أو الجوهر الإنسانى) هو مركزه المتجاوز له، ولذا فإن ثمة مسافة تفصل بين الإله والطبيعة، تنعكس فى العالم على هيئةمسافة بين الإنسان والطبعيعة وفى سلسلة من الثنائيات: مادة/ روح - فعل مباشر/ تأمل - خير/شر - سبب/نتيجة - جميل/ قبيح.
2 -عالم نيتشه : عالم انسحب مه الإله تماما (أو حل فى المادة تماما وذاب فيها فأصبح العالم بلا مركز) - الإنسان إذن جزء من المادة/ الطبيعة لايوجد أى فارق جوهرى بينه وبين كل الكائنات الطبيعية الأخرى مثل الحيوانات، فهو جسد وغرائز - الإنسان لأنه جزء من الطبيعة لا يمكنه أن يعرفها ولا يتجاوزها، فالجزء لا يمكنه أن يحيط بالكل أو أن يتجاوزه - لا يمكن ظهور منظومات أخلاقية متجاوزة لحركة المادة، فالإنسان هو جزء من هذه الحركة خاضع لها.
إن السمة الأساسية لعالم نيتشه هو تصاعد معدلات كمون المركز فى المادة إلى أن يختفى تماما، الأمر الذى يعنى اختفاء المسافة بين الخالق ومخلوقاته، وبين الإنسان والطبيعة، وينجم عن هذا استحالة المعرفة والأخلاق فيصبح الجسد روحا، ويصبح الفعل المباشر هو الفعل الوحيد الممكن. ويصبح الخير هو الشر أو تنتفى ثنائية الخير والشر. بل وتنتفى ثنائية الإنسان والطبيعة. بل وكل الثنائيات الأخرى مثل ثنائية الثابت والمتغير، ويظهر عالم فى حالة سيولة شاملة سيولة لا تسم مجالا دون آخر وإنما تسم كل المجالات الممكنة (الطبيعة والإنسانية).
وحينما تختفى المسافات تماما يصبح العالم كلا عضويا واحديا مصمتا مغلقا لا مركز له، لا يشير إلا إلى ذاته، ولاتوجد فيه أى حدود تفصل بين الأشياء فتصبح المعرفة مستحيلة والأخلاق كابوسا بل وتختفى الهوية ذاتها فى العالم السائل الذى لا توجد فيه حدود أو ثوابت فتصبح الأنا هو ويصبح الهو أنا، والمقدس نسبيا والنسبى مقدسا والدال مدلولا والمدلول دالا،ويظهر عالم ما بعد الحداثة. 
وما يميز نيتشه عمن سبقوه من الفلاسفة أنه يقابل هذه العدمية الكامنة فى موقفه المادى بغنائية متشائمة عبثية مأساوية، تختلف تمام عن الغنائية المتفائلة للأناشيد الإنسانية (الهيومانية) التى عزفها الإنسان الغربى منذ عصر نهضته حينما قتل الإله (أو نحاه جانبا) وأعلن أنه فىمركز الكون وأنه قادر على إعادة صياغته وتسخيره دون سدود أو قيود وحيثما بدأ مشروعه الاستنارى التحديثى بتفاؤل شديد لاتشوبه أى شوائب ولا تعكر صفوه أى أحاسيس مظلمة.  فى كتاب العلم المرح، فى مقطع بعنوان "المجنون"، حين يعلن المجنون موت الإله فهو لا يعلن اكتشافه فى حبور وغبطة وإنما يعلنه وهو يجرى فى السوق صارخا يتألم معلنا "مقتل الإله" (لقد تلاشىالإله؟ بل أقول لكم نحن الذين قتلناه - أنتم وأنا .. كلنا قتلة)، ويسأل أسئلة تدل على حزنه المجنون عل اختفاء الإله: كيف تمكنا من فعل ذلك؟ كيف شربنا كل ماء البحر؟ من ذا الذى أعطانا الإسفنجة التى مسحنا بها الأفق كله؟ ماذا كنا نفعل عندما فككنا الأرض عن شمسها؟ إلى أين نتحرك الآن؟ بعيدا عن كل الشموس؟ ألسنا فى حالة سقوط دائم؟ إلى الخلف، إلى الجنب، إلى الأمام فى كل الاتجاهات؟ ألا يوجد طريق إلى فوق أو إلى أسفل، إنها أنشودة من اكتشف الاستنارة المظلمة ويعرف أن عصر ما بعد الحداثة والدوال الراقصة والتفكيك الكامل على وشك الإطباق على الجميع. 
أنطولوجيا نيتشه:
أعلن نيتشه، إذن ظهور عالم يتسم بالسيولة، اختفى فيه مفهوم الوجود الثابت المستقر أساس كل الفلسفات الغربية، الدينية، واللادينية، ولكن نيتشه مع هذا، يرد الكون بأسره إلى مبدأ سماه "الحياة" متفقا فى هذا مع شوبنهاور وغيره من فلاسفة العصر الذين تبنوا استعارة عضوية فى رؤيتهم للكون، ولكن نيتشه يختلف عن شوبنهاور، الذى قال بأن الكائنات تتولد إلى البقاء وأن الحياة هى إرادة الحياة. فنيتشه يرى أن الوجود هو فعلا الحياة، وأن الحياة هى فعلا إرادة، ولكن الإرادة هى إرادة القوة وتقديسها ويعرف نيتشه القيمة بأنها أكبر مقدار من القوة يستطيع الإنسان أن يحصله ويستولى عليه. فالحياة لا تستطيع أن تحيا إلى على حساب حياة أخرى، لأن الحياة هى النمو وليس مجرد البقاء، وهى الرغبة فى الاقتناء، والزيادة فى الاقتناء، وهى التغير والصيرورة بلا ثبات (غابة داروين الرائعة)، وما دامت الحياة نموا ورغبة فى الاقتناء، وفى المزيد من الاقتناء فإنها محتاجة إلى شىء آخر خلافها وخارجها كى تتحقق، فكأن الحياة إذن، إرادة استيلاء على الآخرين، إرادة سطوة واستغلال، وبمقدار شعورنا بالحياة وبالقوة (والحياة مترادفة مع القوة) يكون إدراكنا للوجود، فإرادة القوة هى جوهر الحياة وعن طريقها يمكن تفسير كل مظاهر الوجود فالحياة إن هى إلا صراع وتقاتل ودماء. 
وإرادة القوة هى التى تحرك الأفراد والتاريخ والصراعات العسكرية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثورات الأخلاقية والجمالية والعلاقات بين الأفراد (بما فى ذلك أكثرها خصوصية وحميمية). وهى كلها صراعات لا يمكن فهمها إلا فى إطار هذا الصراع اللامتناهى بين إرادات مختلفة والتى تنبع منها أشكال مختلفة للهيمنة. إن إرادة القوة، بهذا، أصبحت الركيزة الأساسية لفلسفة نيتشه وأصبحت مرجعيتها النائية والأساس الأنطولوجى والأخلاقى الثابت لنسق فلسفى ينكر الثبات ويعلى من شأن الصيرورة باعتبارها الثابت الأوحد، أى أن القوة هى ميتافيزيقا نيتشه الخفية ونقطة الثبات التى تحل محل فكرة الوجود أو العقل فى الفلسفة التقليدية، ومحل فكرة الصدفة فى الفلسفات الطبيعية/ المادية. وهى لا تختلف عن كل من الصدفة أو الطبيعة/ المادة فى ماديتها وعبثيتها ولكنها تختلف عنهما فى درجة الكمون. فالصدفة والطبيعة/ المادة لهما وجود موضوعى، أما القوة فهى وجود ذاتى موضوعى يعبر عن سيولة الذات المادية المتغيرة والموضوع المادى المتغير وعدم تحددهما.
2 -المنظومة المعرفية:
الفكر فى تصور نيتشه ليس انعكاسا مشوها للواقع ولا محاولة اجتهادية لتفسيره، وإنما هو تعبير عن إرادة القوة. ويذهب نيتشه إلى أن ثمة مبادئ للفكر والمنطق تستند إليها المعايير التى يصوغها الإنسان ويقرر حسبها ما هو حقيقى زائف وما هو صواب وخطأ (مثل: الذات - الموضوع - الجوهر - الكل - الشىء - العلية - السبب والنتيجة - الشكل والمضمون - الغائية - وجود واقع ثابت ومستقر - تساوى الأشياء المتشابهة - أنه يمكن قياس الأشياء). هذه المبادئ - فى تصوره - ليست أفكارا بريئة من المصلحة أو التحيز ولا ظاهرة ولا أصلية كما قد يترامى لأول وهلة، كما أنها أفكار ليست مادية تماما وإنما هى مجرد أوهام وأساطير وعقائد، واستراتيجيات ابتدعها البعض ليهرب من حالة السيولة والصيرورة الدائمة. 
العقل إذن، وهم. فهو ليس شيئا فى ذاته وإنما مجرد تعبير عن عناصر متلاطمة فى الواقع، فهو مجرد ظاهرة مصاحبة لظواهر أخرى (بالإنجليزية: إبى فينومنون Epiphenomenon) . لكل هذا، لا يوجد فى واقع الأمر عقل إنسانى واحد وإنما هناك عدة عقول تتمايز بتمايز الظروف والإرادات. ومن هنا يختلف الرأى بين العقول المختلفة إزاء الأمر الواحد، ولا يوجد عقل كلى يحكم الكون ويسوده فتصبح الظواهر والأحداث معقولة فالعقل الوحيد الذى نعرفه هو هذا العقل الضئيل الموجود فى الإنسان، والأنا المفكرة والذات الثابتة التى لها حدود واضحة وهم، إذ توجد دوافع كثيرة مظلمة لا يدركها حتى صاحبها رغم أنها تحدد سلوكه رغم كل عقلانيته الظاهرة.
ثمة صيرورة كاملة فى الواقع ولا يوجد عقل إنسانى متكامل شامل، والمنطق ليس نتاج ملاحظة الواقع وإدراك تماثل الحالات، والفكر ليس ثمرة الرغبة فى معرفة الحقيقة ولكن لماذا ظهرت الأفكار الكلية الثابتة ومقولات المنطق؟ يرى نيتشه أن سر ظهورها أنها أساطير واوهام وعقائد تعود بالنفع على أصحابها فتبنى مثل هذه الأفكار يزيد فرص الغزو والبقاء والسيطرة والامتلاك بالنسبة لهم، أما من رفضوا هذا الوهم واستمروا فى التعامل مع الواقع باعتبار أن كل ظاهرة فريدة فقد هلكوا وهكذا ظهر مفهوم الجوهر الثابت، وهو فكرة أساسية لقيام المنطق ولكنها ليس لها أى أساس فى الواقع الموضوعى المادى. 
وبذلك، فقد أخذ نيتشه خطوة حاسمة إذ خلع النسبية والسيولة المعرفية على كل شىء، على الحقيقة الموضوعية وعلى الذات المدركة، وبدلا من ذلك، يفترض وجود أصل حقيقى (بناء مادى تحتى) وهو الفعل المباشر والغريزة والنزوع البيولوجى الخام للبقاء والقوة، ثم يأتى بعد ذلك الفكر بناء فكرى فوقى) الذى لا يشاكل الواقع وإنما يشكل مسوغا وتبريرا لسلوك صاحب الفكر ولأفعاله المادية الغريزية المباشرة النابع من حيويته وكيانه البيولوجى، وهى أفعال بسبب مباشرتها مكتفية بذاتها، فهى كالكائن الحى الذى لا يخضع إلا لقوانينه الداخلية، أو كالذرة التى تندفع بقوتها الذاتية فى أى اتجاه تشاء ولا تهيب بأى شىء خارجها (ولنلاحظ أن الفعل المباشر لا يتسم بأى ثنائية ولا توجد فيه فراغات فهو نظام مغلق تمام مثل عقل الإنسان وهو أيضا كيان منغلق على ذاته لا علاقة له العقول الأخرى). 
وقبولى لفكر آخر هو مجرد إذعان لإرادة القوة المنتصرة وليس فعلا عقليا، لا توجد إذن، حقائق وتفسيرات لها وإنما توجد تفسيرات وحسب هى فى واقع الأمر تعبر عن توازن القوى.
إن ما بالمعرفة أو الحقيقة هو منظور وحسب، لا يتماثل م الواقع أو يقترب مه وإنما يعبر عن مدى نجاح إرادة القوة فى فرضه، ونجاحه فى أن يفرض نفسه يعنى أنه حقيقى (فالناجح هو الحقيقى والفاشل هو غير الحقيقى). هذا الفكر الذى لا يستند إلى منطق وإنما يستند إلى منطق القوة هو ما يسميه نيتشه الحقيقة الديونيزية (الحقيقة التى يؤمن بها الإنسان الأعلى) وهى حقيقة تحاول أن تهرب من محاولة التفسير وتقبل بحقيقة نهائية وحيدة مأساوية: الصيرورة الدائمة والتعددية اللانهائية.
3 -المنظومة الأخلاقية:
الإنسان إنسان طبيعى، جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة ليس له أى صفات متجاوزة للطبيعة، مكتف بذاته تماما وهو ليس فى حاجة إلى أى قيم عليا ولا يستمد أى شىء من عالم متجاوز لعالم الطبيعة/ المادة، وهو إنسان ليس له عقل مسبق a priori وليس له روح خالدة ثابتة مفارقة لجسده الفانى الذى يوجد فى حالة صيرورة ولكن مع هذا، تظهر منظومات أخلاقية، هذه المظومات الأخلاقية لا تختلف البتة عن المنظومات المعرفية، فالأخلاق تذوب فى رمال النسبية المتحركة التى تبتلع كل شىء، فالبشر لا يستخدمون الأخلاق إلا لتبرير أفعالهم، فالأصل هو الفعل، وما الأخلاق سوى التبرير والتسويغ، فالقيم إن هى إلا جزء من العملية الإبداعية للإنسان وحركيته (الحق أن الناس قد أعطوا أنفسهم كل خيرهم وشرهم، والحق أنهم لم يتلقوه ولم يجدوه). ومن ثم، فإن بوسع الإنسان أن يضفى أى معنى يشاء على الكون بأى طريقة يراها، فالمعنى مرتبط بالهدف والهدف مرتبط بالنتيجة وبالفعل: سلسلة عضوية متلاحقة لا يفصل بين حلقاتها فاصل، والأخلاق هى معايير صنعها الإنسان لهدف معين، وفى وسعه أن يبدلها إن شاء وأن يضع لنفسه هدفا آخر، فالأخلاق مرتبطة بالنتيجة وبالفعل، أى أنها هى الأخرى حلقة فى السلسلة المتلاحقة (,هذا هو جوهر الفلسفة البرجماتية). فى هذا الإطار يمكن فهم منظومة نيتشه الأخلاقية غير المتجاوزة للمادة، فهو يرفض ابتداءً التمييز بين الخير والشر، لأنه تمييز يفترض وجود قيم ثابتة خارج الإنسان يمكن للإنسان أن يحتكم إليها، وهو تمييز يعود إلى تلك الأخلاقيات الدينية التى أزاحت القيم الطبيعية باعتبارها مصدرا حقيقيا للمطلقية والاساس الراسخ لكل أخلاق، ويقرر نيتشه إعادة تقييم القيم، أى أن يعود بالقيم إلى أصلها الطبيعى المادى، فيرفض أى ثبات أو مطلقية وأى وجود للعالم الخارجى. 
4 -السادة والعبيد:
ثم يطرح نيتشه رؤيته لأصل الحضارة والأخلاق، فيبين أن الحضارات الكبرى قد نشأت حينما ظهرت طائفة من الأرستقراطيين الممتازين، علىشكل حيوانات مفترسة شقراء (وحش نيتشه الأشقر الشهير) كانت تجوب الأرض فى آسيا وأوربا وجزر المحيط الهادى وتغير على كل الأراضى التى مر بها وعلى هذا النحو الصراعى الداروينى الحيوانى الرائع البسيط نشأت الحضارة اليونانية والرومانية والجرمانية، وعلى هذا النحو استمرت هذه الحضارات إذ أنه كلما مرت هذه الطائفة المفترسة الشقر (المرتبطة بالطبيعة الملتصقة بها) على شعب من الشعوب أخضعته وفرضت عليه سلطانها، واحتقرته وباعدت بينها وبينه من مسافات، مكونة طبقة خاصة متمايزة، وأخذت لنفسها شرعة من القيم والأخلاق تؤكد بها سيادتها واستمرار سطوتها وسيطرتها وتضمن هذه الطبقة لنفسها الاستمرارية والشرعية والسطوة بالحفاظ على قوتها الجسمية والصحية فهىتعنى بكل ما يتصل بالقوة والغزو والحرب والمخاطرة والصيد والرقص والألعاب البدنية، وعلى العموم كل ما يكشف من حيوية فياضة، وهذه الطائفة هى الأقلية دائما، فإنها تعمل جهدها كى تحافظ على صفاتها وتظل نقية لا يتطرق إليها الانحلال من جراء اتصال الشعوب المسودة أو الطبقات الدنيا بها. والطبيعة الحلولية الوثنية العميقة لهذه الطبقة الطبيعية الشقراء المفترسة تظهر فى حديث نيتشه عن أعضاء هذه الطبقة بأنهم يقدسون التقاليد والماضى ويتخذون من ذكرياتهم مجالا للتفاخر وينبوعا للقوة، أى أنه ككيان معنوى ملتف حول ذاته، نصب نفسه مرجعية ذاته، هذا الالتفاف حول الذات يظهر فى أن عبادتهم تأخذ شكل توقير الأجداد وتقديم القرابين لأرواحهم، ولا يلبث هؤلاء الأجداد أن يصبحوا الآلهة التى يعبدها أعضاء هذه الطبقة المفترسة، وعضو الطبقة الأرستقراطية فى عبادته للآلهة من أسلافه يقدس صفاته النبيلة نفسها، أى أننا قد وصلنا إلى أرض القومية العضوية حيث يصبح الإنسان هو العبد والمعبود والمعبد وتتوثن الذات ويظهر الرايخ الثالث. 
انطلاقا من هذا التصور يُقسم البشر إلى أقوياء وضعفاء، يحوى كل داخله معايير الحكم عليه، ومن ثم يوجد نوعان من الأخلاق: أخلاق السادة الأقوياء التى يبررون بها أفعالهم المباشرة وقيم العبيد الضعفاء التى يحاولون هم أيضا عن طريقها تغطية عجزهم وتحقيق البقاء. والسادة قادرون على الفعل المباشر، يتسمون بالقوة والاعتزاز بها، كما يتسمون بغريزة السيطرة وحب الغزو والمخاطرة، يحتقرون الرحمة، ويجدون النعيم فى الانتصار والتدمير ويشعرون بسرور عميق وهم يعذبون الآخر: كل سيد عالم قائم بذاته، فهو مرجعية ذاته، إنسان طبيعى متأله خالق نفسه، عالم عضوى لا تتخلله مسافات ولا يتسم بعدم الانقطاع، كالمادة الصماء أو مثل قوى الطبيعة: كالعاصفة التى تهب وتقف شامخة وراء الخير والشر. فهو قوة محايدة لا تشعر بشىء (تخلص من الضمير ومن الشفقة والرحمة .. تلك المشاعر التى تطغى على حياة الإنسان الباطنية .. أقهر الضعفاء وأصعد فوق جثثهم"). وهو حتى أمام العدم لا يشعر بالتشاؤم فالتشاؤم يعنى توقع المعنى وعدم العثور عليه، والإحباط يعنى رغبة فى التجاوز وفشل فى تحقيقه، أما السادة فلا يشعرون بالتشاؤم لأنهم لا يتوقعون شيئا، شأنهم فىهذا شأن العناصر الطبيعية. 
وقبل أن نسترسل فى الحديث عن أخلاقيات الضعفاء، يجب أن نتوجه إلى بعض الصفات الحميدة التى ينسبها نيتشه للسادة، فهى تشكل - فى تصور البعض - نوعا من التسامى وإطارا جيدا لظهور منظومة فلسفية حديثة. فالارستقراطى السيد يشمئز من الضعة وجميع أنواع الاستخذاء وأبغض شىء لديه الكذب ونحوه من نفاق وملق، وهو لا يعرف أنصاف الحلول والمساومة والمداهنة ويميل  إلى العفو عن الآخرين لا لأنه يحب العطف ولكن لأن قوته غريزة، فتراها تفيض بنفسها على الآخرين (كالطبيعة المتدفقة). ومع هذا فإنه لا يقبل مطلقا العفو من الآخرين لأنه بقوته يأخذ ما له دون أن ينتظر حتى يتفضل به عليه الآخرون، وهو يطلب من نفسه أكثر من الآخرين وهو ينتصر علىنفسه وعلى أفعاله ويوجهها.
ولكن هل تمثل هذه الصفات تساميا بالفعل؟ فى تصورنا أنه لا يوجد تسام أو تجاوز لأخلاق الوحوش الشقر المفترسة، فكل صفات الأرستقراطى تزيد من مرجعيته الذاتية الكامنة ومن ثم فلا يوجد أى مقاييس خارجة عنه،  بل يظل هو المطلق ذاته ومن ثم لا يمكن محاكمته كما أن كل شىء فى الأرستقراطى مرتبط بالقوة، فهو حين يعفو فهذا غير ناجم عن حب لأخيه الإنسان أو أى منظومة خلقية متجاوزة له (فمفهوم الأخوة مفهوم غير طبيعى غير مادى) وإنما ناجم عن تدفق غريزى فى القوة أى عن مزيد من الطبيعة والوحشية والإمبريالية، والعطف ليس اختيارا أخلاقيا حرا، وإنما سلوك بيولوجى طبيعى، أى أنه سلوك يتجاوز الخير والشر ولا يتسم بأى تعال أو تسام. 
والسادة أقلية والعبيد هم الأغلبية، والعبيد غير قادرين على الفعل المباشر، ويسمون عجزهم هذا "الصبر" أو "الإحسان" أو "الطيبة"، وهم مسالمون متواضعون لا مطمع لهم فى غزو، ولا رغبة لهم فى سيادة، يؤثرون السلامة ويبتعدون عن المخاطر ويسمون حاجتهم إلى الآخرين وعجزهم عن الاعتماد على النفس "رحمة"، فكل عبد فى حاجة إلى الآخرين ولا يكتفى أبدا بذاته، ولإخفاء عجزهم والتعويض عنه، ابتدعوا أخلاقيات الضعفاء هذه، فأخلاقهم إن هى إلا نتيجة الذُّحْل (الحقد - الثأر) : أى الشعور المتكرر بإساءة سابقة لقيها الإنسان ولم يستطع أن يردها أو أن يتشفى ممن قدمها لعجز فيه عن رد الفعل فى الحال، فيتحول الشعور إلى طاقة مكبوتة تعبر عن نفسها من خلال قنوات غير القنوات الأصلية الطبيعية ومقابلة العمل بالمثل فيلجأ إلى طرق خفية غير مباشرة ولكن تبنى أخلاق الضعفاء قلب الدنيا رأسا على عقب لأن الأقوياء الذين فى مقدورهم أن يرقوا بالجنس البشرى اضطروا إلى الخضوع للضعفاء والتخلى عن واجبهم نحو تنمية قدراتهم، الأمر الذى أدى إلى توقف الجنس البشرى ككل عن الرقى، وهناك نقط هامة فى تاريخ البشر انتصرت فيها الثقافة العقلية، أى ثقافة الضعفاء من الحاسبين المحاسبين، ففى الحضارة اليوانانية قبل سقراط، كانت هذه الحضارة حضارة عدمية متشائمة، ثم جاء سقراط فكان علامة على انحلال الخلق اليونانى إذ أن قوة الجسد والروح القديمتين أصبحت يُضحى بها شيئا فشيئا من أجل ثقافة عقلية مشكوك فيها، وهى تتضمن انحطاطا شديدا فى قوى البدن والعقل. لقد جاء العلم كان الفن، والعقل بدلا من الغريزة، وانتصر الروح الأبولونية على الروح الديونيزية التى هى دعوة إلى الاندماج المباشر بالطبيعة التلقائية فى صورتها الأولى قبل أن يشوهها العقل الخالص ويبعث فيها الثبات والجمود، ولعلاج هذا الموقف يقترح نيتشه قلب القيم والمعادلات الأخلاقية والعودة بالأخلاق إلى أصلها الطبيعى الوثنى المادى. وعلى الإنسان أن يرفض الترادف المألوف غير الطبيعى بين الخير والشر والتراحم والرحمة ويطرح بدلا من ذلك الترادف الطبيعى/ المادى بين الخير والقوة والغزو والغرور. 
5 -الإنسان الأعلى والمنظومة السياسية:
صفت فلسفة نيتشه كل الثنائيات وأنكرت وجود المركز وأعلنت ظهور عالم فى حالة حركة وسيولة، ولكنها، مع هذا، عينت نقطة ثبات فيه هى إرادة القوة، والتى يجسدها أقلية من السادة الاقوياء، ولكن السادة أنفسهم تبتلعهم السيولة والصيرورة فهم مجرد وسيلة لغاية أعلى، حبل مشدود بين الحيوان والإنسان الأعلى الهدف النهائى من الوجود، وهو صنو الإله أو المقابل الأرضى للإله، أو هو الإله الحى فى التاريخ، المتجسد فى مجموعة من البشر (الكلمة المطلقة والغاية النهائية).
ويذهب نيتشه إلى أن سعادة الأفراد وآلامهم وخيرهم وشرهم أمور تافهة يجب عدم الاهتمام بها حينما نتحدث عن الإنسان الأعلى ومستقبل الجنس البشرى، فهدف الوجود الإنسانى يجب ألا يكون تحقيق السعادة للأفراد وإنما تكثيف كل القوى للصعود بالإنسانية فى سلم الارتقاء فى الحياة وتحقيق كل الإمكانات الحيوية، إذ يجب أن يأتى من الإنسان ما يفوق الإنسان، والبشر أجمعهم لم يخلقوا إلا ليكونوا بمثابة السلم له.
ويبدو أن نيتشه كان يحدد هدفه فى البداية على أنه الجنس البشرى بأسره وأن الإنسان الأعلى سيولد من البشر أجمعين، ولكن يبدو أن طبقة السادة وحدها هى المرشحة أن يولد منها الإنسان الأعلى، ولذا يجب توظيفها هى وحدها فى هذا الشأن، وأهم آلية لتوريد الإنسان الأعلى هى أن تقوم القلة الأرستقراطية (السادة) بنبذ الأديان التى تنفر من الحياة الأرضية (الطبيعة/ المادة) والتى تنقل البشر من  مواقع الحياة (الطبيعة المادية) إلى صور وتهاويم لعالم آخر، وتسلم منهم عناصر القوة وتبقيهم فى حالة الضعف والمهانة، وكماه أن ماركس كان يطرح صورة للمجتمع الشيوعى الجديد باعتباره صدى للمجتمع الشيوعى البدائى (فالنهاية لابد وأن تشبه البداية فى الأنساق الدائرية العضوية). فإن نيتشه يرى أن طبقة السادة عليها أن تعود إلى مجدها الغابر حينما كانت جماعات الوحوش الشقر المفترسة تعيش منفردة حسب قوانين الطبيعة، فالإنسان الأعلى، هذا الإنسان/ الإله إن هو إلا الإنسان الطبيعى، الطبيعى تماما المادى تماما، الذى يجسد إرادة القوة وتتجسد من خلاله، وهو على وجه التحديد الإنسان الطبيعى المادى الغربى الأشقر المفترس، رجل أوربا النهم الذى التهم العالم فى عصر الإمبريالية الغربية وأباد الشعوب ودمر ا لكون.
هذا الإنسان الأعلى لم يخلق ليعيش فى دعة وسلام وطمأنينة فواجبه أن ينمو ويحقق إمكانياته ويرتقى دونما شفقة علىنفسه أو رحمة بالآخرين وهوسيحقق ارتقاءه من خلال الاختيار ا الطبيعي متجاوزا الخير والشر، ولكنه فى ذات الوقت جزء منالغاية النهائية، أى تحسين الجنس البشرى (الذى سيصبح فى واقع الأمر الجنس الغربى الأشقر) إن الإنسان الأعلى يشبه، من بعض الوجوه، ملكة النحلات التى يقوم على خدمتها الشغيلة (الضعفاء والعبيد) ولكنها، مع هذا، ليس لها إرادة مستقلة، فهى يتم حوسلتها تماما مثل الشغيلة أنفسهم، فعالم النحل عالم دقيق رائع رتيب آلى رهيب لا تتخلله أى ثغرات ولا يوجد فيه أى قيم متجاوزة للدورة الكونية أو البرنامج المقرر، يجرى العمل فيه م أجل غاية مجردة تسمى الحياة أو الطبيعة أو الآلة الطبيعية التى تكرر نفسها (أو المجتمع النازى أو المجتمع العلمانى النماذجى الذى تم ضبط إيقاعه تماما)، هذا الإنسان الأعلى المتجاوز للمادة والأخلاق هو جزء لايتجزأ من نسق هندسى، وثمة إشارات مختلفة فى كتابات نيتشه إلى تحسين النسل وتطوير الإنسان الأعلى، أى أن استعارة ملكة النحل لم تكن بعيدة تماما عن ذهنه ومن الواضح أنه، مع موت الإله وسيولة الواقع واختفاء القيم، يموت الإنسان إذ أنه يفقد مطلقيته (أى قدسيته) ومكانته الخاصة ويصبح شيئا مثل كافة الأشياء لا تفصل بينه وبينها أى ثغرات، وإذا كان ثمة تميز فهو تميز ملكة النحلات: فهى شىء جميل ورائع ولكنها فى نهاية الأمر، وفى التحليل الأخير، حشرة طبيعية / مادية وفى التحليل الأخير، حشرة طبيعة/ مادية لا تعى من أمرها ولا تملك منه شيئا، ونابليون هو تجسد لفكرة الإنسان الأعلى، آخر الرومان (الوثنيين) فهو رجل لا يعد به ضميره أثبت أننا يمكن أن نفعل مانشاء وأن نملى إرادتنا وهو يمثل التناقض العميق بين الحرية والأخلاق، فنابليون يقف وراء الخير والشر (وهذا هجوم سافر على كل مقولات كانط الاستنارية الأخلاقية الإنسانية). 
ويبدو أن هناك نظيرا للإنسان الأعلى وهو الدولة العليا، وقد كان نيتشه يرى أن الدولة هى تعبير عن إرادة القوة وأنها المؤسسة التى تُستخدم لتوزيع القوة، وأن المعيارية السياسية تظهر من خلال هذا، وهذه الدولة هى التى يمكن أن تسيطر على العالم، ويصبح مواطنوها أسياد العالم. وقد ذهب نيتشه إلى أنه لو اتحدت المقدرة الألمانية على التنظيم عن مصادر روسيا (المادية والبشرية)، ولو تزاوج الجنس الجرمانى والسلافى وانضم إليه الممولون اليهود، فإن هذه التركيبة يمكن أن تؤدى إلى السيادة والهيمنة على العالم.
نحن هنا نسمع صوت الشعب العضوى (الفولك) وهتلر وفكرة المجال الحيوى ونرى بذور قواعد الصحة النازية التى أودت بالملايين، وقد تأثر النازيون بالفعل بفلسفة نيتشه الصراعية العلمانية وأطروحاته الداروينية الأساسية فأسسوا الدولة النازية التى حاولت أن تُرشدُ العالم (الطبيعة والإنسان) بأسره وتحوسله وتحوله إلى مادة خاضعة للنماذج المادية والكمية، نافعة للجنس الآرى، واستخدموا مفاهيم مثل: إرادة القوة والإنسان الأعلى وإعادة تقييم القيم وتحسين النسل والقتل والرجم، وقد يكون مما له دلالة أن الفيلم النازى الشهير عن هتلر الذى أنتج عام 1942 كان عنوانه انتصار الإرادة 
6 -العود الأبدى:
الإنسان الأعلى يتجاوز الخير والشر والثواب والعقاب وكبديل لكل هذا تظهر فكرة محورية فى منظومة نيتشه فكرة العود الأبدى، وهى محاولة نيتشه لأن يستوعب الاستمرار فى الحركة الدائمة والثبات والصيرورة حتى لا يهرب شىء أبدا من قانون الحركة ولذا يتم إعادة تعريف الزمان ويظهر العود الأبدى، إن الدورة الحالية للزمان ستنتهى ولكن لن يتوقف الزمان إذ أنه سيبدأ فى التو دورة أخرى لا تختلف عن سابقتها فى أى شىء، وحينما تنتهى ستبدأ من جديد وبنفس الطريقة، فهو عود أبدى مادى إلى رتيب، والإنسان، كالساعة الرملية سيعود من جديد ويذهب من جديد دائما أبدا، إنها تكرار أبدى لنفس الشىء ولنفس الحياة. ولعل العود الأبدى هو بديل فكرة الخلود ويوم القيامة فىالديانات السماوية، وهى الحل النيتشوى لمشكلة الموت، وهو حل يزيل ظلال الإله تماما ويزيل الأصول الربانية للإنسان.
والعود الأبدى يعنى تكرار اللحظة بكل ثباتها وصيرورتها، ولكنه ليس تقبلا لمضمون اللحظة الثابتة، وإنما هو تأكيد لصيرورتها، ولذا فأنا أرغب أن تتكرر اللحظة وأن تزول فى ذات الوقت، أى أننى أقبل شكل الوجود الذى تعتبر فيه الصيرورة هى الاساس (ويذكرنا هذا بمصطلح دريدا "الاخترجلاف" أو "لاديفيرانس la difference حيث كل شىء مختلف مرجأ على وشك أن يتحقق ولكنه لا يتحقق أبدا، وبذا تحل مشكلة الذات والموضوع والثبات والحركة، يقول جوته للحظة: "امكثى إلى الأبد"، وهذا يبين رغبته فى ثبات أبدى فى عالم الصيرورة، أما نيتشه فيقول للحظة: "فلتكررى نفسك إلى الأبد" وهو ما يعنى الإذعان الكامل للصيرورة والإدراك المأساوى لأنه لا يوجد أمل فى المستقبل (كما يتصور كانط وهيجل وماركس وكما تزعم الأفكار الأخروية المسيحية)، وإنما سيتكرر نفس الوجود/ الصيرورة دائما وما سيحل محل حياتى الحالية هو نفس الحياة مرة أخرى أى أن الحياة الحالية هى كل ما هناك دون أى أمل فى الخروج منها حتى ولو فىدورة كونية قادمة. وفى هذا أيضا إلغاء لفكرة الهدف فالتكرار هو ثبات الحركة، وهو حركة لاتجاه وتقبل العود الأبدى فى هدوء هو حب القدر (باللاتينية: أمور فاتى amor fati) وهو مايعنى تقبلا كاملا لحدود العالم الكمونى الذى نعيش فيه والإذعان لقوانينه اللا إنسانية باعتبارها الحدود المطلقة النهائية لكل الوجود، وإدراك أن عالمنا عالم ديونيزى سائل يخلق نفسه دائما ويحطم نفسه دائما ويكرر نفسه دائما وبنفس الطريقة عالم بلا هدف يتحرك فى حركة دائرية عبثية، وفى تصور نيتشه أنه، من خلال حب القدر والإذعان للحدود وتقبل الدورات العبثية فإن الإنسان يحقق تحرره من الديانات ذات الهدف المتجاوز، بل ومن أوهام الفكر الإنسانى (الهيومانى) الذى يحاول تحقيق التجاوز داخل الكمون، أى أن الإنسان سيتحرر تماما من الأخلاقيات والأحلام والمستقبل والميتافيزيقا والحقيقة، ومن ثم يتحول عبء الوجود فى الصيرورة إلى مصدر للفرح والغبطة، إذ أن قبول العود الأبدى هو تأكيد أن الإنسان يوجد فى عالم الصيرورة ولا مفر منه.
7  - فلسفة اللغة والفن:
وقد ترجمت فلسفة نيتشه نفسها إلى فلسفة فى اللغة وفلسفة فى الفن. أما فى عالم اللغة فقد ذهب نيتشه إلى أنه فى عالم السيولة الكاملة، تختل علاقة الدال بالمدلول فلنأخذ مثلا كلمة "روح. هذه الكلمة تشير (فى الفلسفات التقليدية) إلى كل متجاوز لعالم الجسد والمادة، وهو ما يفترض وجود مسافة بين الروح والجسد. يذكر نيتشه هذا تمام ويؤكد لنا انطلاق من رؤيته المادية، أن الروح فى واقع الأمر تشير إلى الجسد، والجسد "إن هو إلا" ترتيب لبعض القوى الطبيعية وعمليات تجسد إرادة القوة فالدال التقليدى هنا فقد علاقته تماما بمدلوله واكتسب فى فلسفة نيتشه مدلولا جديدا. 
ونيتشه هو من أوائل الفلاسفة الذين شككوا فى موضوعية أى نص،  فالحقيقة إن هى إلا جيش من الاستعارات القديمة تكلس واستقر، والرؤية التقليدية تسقط فى ثنائية النص والحقيقة، بينما النص فى واقع الأمر هو مجرد نسيج يوصل جزءا من الحقيقة ويحجب حزءا منها ومهمة المفسر هى الوصول عبر النسيج إلى الحقيقة الكامنة وراء النص. يلغى نيتشه المساحة بين النص والحقيقة ويصفى تلك الثنائية تماما ويقرر أن النص هو فعلا نسيج، ولكن النسيج هو ذاته الحقيقة، والذات المبدعة هى ذاتها جزء من هذا النسيج، فهى كالعنكبوت فى بيت العنكبوت (وهذا هو معنى عبارة دريدا الشيهرة "لا يوجد شىء خارج النص")، ولايلغى نيتشه المسافة بين المبدع والنص والحقيقة وحسب، وإنما يلغى المسافة بين نص وآخر، وقد طرح فكرة التناص باعتباره حوارا لا ينتهى بين النصوص ، فكل ما نعرفه هو النص والنص لا يحيلنا إلى الحقيقة متجاوزة له وإنما إلى نص آخر، ولذا فإن معرفتنا لا يمكن أن تدعى لنفسها حالة أكثر استقرارا وصلابة من أن تكون نصا، وهذا يعنى أن كل الحدود تختفي بين الذات والموضوع، وبين الداخل والخارج، والمعنى واللامعنى، والمعرفة والرأى، والحقيقة والخطأ، لكل هذا، يذهب نيتشه إلى أنه لا يوجد نص برىء طاهر أصلى، فمثل هذا النص إما لم يوجد أساسا او فقد إلى الأبد 

الاثنين، 31 أكتوبر 2016

نيتشه والتحليل النفسي

د. عبد الغفار مكاوى


هذه قراءة لبعض نصوص نيتشه (1844/1900) "النفسية". ربما تثير الكلمة الأخيرة شيئا غير قليل من الشك والحيره . وربما ذكرت القارئ بالجدل الطويل الذى دار وما زال يدور حول الفيلسوف الشاعر مؤلف "هكذا تكلم زرادشت" و "أناشيد ديونيزيوس الديثرامبية" ، صاحب الاسلوب المتوهج بالصور الحية . والرؤى العميقة المخيفة ، والعبارات البركانية المتفجرة بالغضب والشوق ، ذلك الذي "تفلسف بالمطرقة" ولم يكتب كلمة واحدة لم يغمسها – على حد قوله– في دم القلب ، هل هو شاعر أم فيلسوف ؟ وهل نحسم هذا الجدل الذي لم ينته بأن نضيف إليه مشكلة جديدة فنزعم أنه عالم نفس؟

لا شك عندي في أن نيتشه مفكر وجد في التفكير وحده كل نشوته وعذابه ، وبهجته ألمه ، بل أن التفكير المجرد ليبلغ عند تلك القمة التي يصبح فيها فكرا غنيا بالصور الحية التي تليق "بفيلسوف الحياة".ويكفى أن نطلع على فقرة واحدة مما كتب ، وأن نتذكر العبارة التي قالها في كتابة الأكبر (إرادة القوة) الذي لم يقدر له أن يتمه وجمع ونشر بعد موته : "أن الفكر هو أقوى شئ نجده في كل مستويات الحياة" ، والعبارة التي صرح بها في إحدى كتاباته المتأخرة : "أن التفكير المجرد لدى الكثيرين عناء وشقاء ، أما عندي فهو الأيام المواتية عيد ونشوة " واخيرا هذه العبارة التي دونها في اوراقه  التي عثر عليها بعد موته وكأنه كأن يتنبأ بالغيب ويرد على الأجيال التي شعر أنها لن تفهمه ولن تنصفه : "إرادة القوة" ، كتاب هدفه التفكير ، ولا شئ غير التفكير
إرادة القوة إذا شأنه شأن غيره من كتبه قد وضع ليفكر فيه الناس أنه قول ميتافيزيقى يتحدث عن العالم ككل ويتجاوز كل ما يضمه من أحوال وأشياء . ويصدق الشيء نفسه عن أقواله الكبرى – التي تعرضت دائما لسؤ الفهم – عن الأنسأن الأعلى وإرادة القوة – أي إرادة الحياة والمزيد من الحياة – وعودة الشبيه الأبدية . فهي أفكار فلسفية وميتا فيزيقية قبل كل شئ ، وصاحبها الذي طالما تفاخر بعدائه للميتافيزيقا والمنطق والجدل والعقل النظري أو السقراطي هو في رأى معظم الدارسين (وبخاصة هيدجر وتلاميذه) اشد الميتافيزقين تطرفا في تاريخ التفكير الغربي ، بل أنه في رأيهم منتهى غايتها أخر حلقة من حلقات تطورها منذ أفلاطون ومن قبله من المفكرين قبل سقراط.
بيد أن كل هذا كله لا يتنافى مع الحقيقة التي وصف بها نفسه حين قال أنه "خبير بالنفس"  لم يتوقف عن سبر أغوارها ، وأنه كما قال في كتابه "أنسأني ، أنسأني جدا"قد استفاد من "مزايا الملاحظة النفسية" وراح في كل كتاباته يحلل نفسه وينقدها وينطق بلسان "السيكولوجي" حين ينطق عن حاله . يقول على سبيل المثال في كتابة "نيتشه ضد فاجنر" : "كلما ازدادت خبرة المرء  بالنفس واتجه كعالم نفس بالفطرة والضرورة إلى الحالات الاستثنائية والأنماط المختارة من البشر زاد الخطر الذي يتهدده بالاختناق شفقة عليها …" ولكن ما حاجتنا للجوء إلى مثل هذه العبارات وكتابات الفيلسوف تنطق بخبرته بالنفس وتعمقه في طبقاتها الدفينة ومتاهاتها المظلمة ؟ أن المطلع على هذه الكتابات ابتداء من "ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى" حتى شذراته الأخيرة وخطاباته التي كتبها في ليل جنونه ووجهها إلى قيصر والمسيح وبعض أصدقائه – كل هذه الكتابات تشهد شهادة كافية على تحليلاته النافذة ونظراته النفسية الثاقبة ، بل أنها لتشهد  بأنه سبق مؤسس التحليل النفسي في هذا المضمار ، وأنه راد طريق علم النفس التحليلي وعلم النفس الفردي – كما سنرى بعد قليل – واثر عليها جميعا بحدوثه وخواطره الملهمة تأثيرا مباشرا أو غير مباشر  - وصل في بعض الأحيان إلي حد استباق النظريات – كاللاوعي وما تحت الوعي وما فوقه ووراءه وكذلك اللاوعي الجمعي النماذج أو الأنماط الأولية – بل لقد بلغ حد التطابق في المصطلحات كما سنرى مثلا مع كلمة الإعلاء التي تتكرر في كتبة اكثر من أثنى عشرة مرة..
الواقع أن نيتشه قد تجاوز علماء النفس "المدرسيين" في عصره وتخلص من لغتهم التصورية الجافة وسبقهم إلي كثير من المعارف والأنظار التي لم يدروا عنها شيئا. نظر في خفايا النفس الفردية وما تنكره خجلا أو تحجبه خوفا من نفسها ومجتمعها ، كما نظر في العلاقات الوثيقة بين الحضارة والدين ، وبين المجتمع والأخلاق ، وتتبع التطورات الحضارية التي كونت ما نسميه الوعي إلى الأجداد وأجداد الأجداد واثبت أن هذا الوعي ليس ألا حصيلة الأخطاء عريقة ، وأن الضرورة تقتضي الغوص إلى ما تحته في متاهة الدوافع المستمرة ، كما تقتضي التطلع إلى ما بعده  في "وعى جمعي" يحمله جيل من أصحاب الأرواح الحرة المريدة الخلافة ، جيل راح ينتظره ويعد له ويبشر به بأعلى صوته . وهو لم يكتف في كل هذا بأن يكون خبيرا بالنفس  يقتفى أثار منابعها الذاتية الحقة ، ولم تقف تجاربه ومحاولاته عند البحث عن هذه المنابع الأصيلة (يقول في إحدى القطع التي كتبها عن زرا دشت : الانتظار والتأهب . انتظار أن تنبثق منابع جديدة . أن ينتظر المرء عطشه ويتركه حتى يصل إلي أقصى مداه لكي يكتشف منبعه)  لم يقف الأمر عند هذا بل عرف أن "السيكولوجية " التي يقصدها "سوماتية" أن ممتدة الجذور في الجسد . ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يجعل عنوان إحدى حكمة التي كتبها ضمن شذرات كتابة الأكبر الذى سبقت الإشارة إليه : "الاهتداء بالجسد" وأن يقول فيها : "على فرض أن (النفس) كانت فكرة جذابة غنية بالأسرار الغامضة ولم يستطع الفلاسفة – والحق معهم – أن ينفصلوا عنها ألا مرغمين ، فربما كأن ذلك الذي بدأ يتعلمون كيف يستبدلونه بها اكثر جاذبية واحفل بالغوامض والأسرار "
ولا شك أن نيتشه – بعد شوبنهور وفويرباخ – قد اكتشف أن الجسد فكرة اكثر إثارة للدهشة من فكرة النفس "العتيقة" . وقد لا نعدو الصواب إذا قلنا باختصار يحتمه ضيق المقام أن هؤلاء الثلاثة قد عملوا على تحول الفكر الحديث من ميتافيزيقا العقل – الذي أنهار وخلع عن عرشه بعد موت هيجل – إلى ميتافيزيقا الجسد والإرادة والدوافع . ولعل نيتشه أن يكون أشدهم من هذه الناحية تأثيرا على تيارات عديدة من فلسفة الحياة إلى فلسفة الوجود إلي علم النفس الوجودي إلي الأنثربولوجيا الفلسفية إلي مدارس التحليل النفس المختلفة..
هل يعنى هذا أن نجعل من نيتشه "عالم النفس" كما أصر على وصف نفسه في بعض نصوصه ؟ وهل يصح أن نشق على أنفسنا فنوازن موازنة دقيقة بين نصوصه التي تتجلى فيها "أنجازات السيكولوجية" وبين نصوص أخرى نستقيها من علماء النفس التحليلين (كما فعل فيلسوف الحياة لودفيج كلاجيس (1872-1956) في كتابة أنجازات نيتشه السيكولوجية(*) مبينا سبقه لهؤلاء في العديد من مناهجهم ونظراتهم ومطلحاتهم) إن البحث العلمي لا يعرف حدا يقف عنده ، ولا يتهيب بابا يطرقة ولا طريقا يقتحمه . وكل ما سبقت الإشارة إليه أمور مشروعة لا غبار عليها . ولكن المشكلة أن جوانب نيتشه متعددة  - مثل في ذلك مثل كل مفكر حقيقي ضخم – فهو "سيكولوجي" أراد – على حد قوله – أن يجعل من علم النفس "طريقا إلي المشكلات الأساسية الكبرى"بحيث يصبح "سيد العلم" ويسخر سائر العلوم لخدمته والإعداد له . وهو بجانب ذلك "فسيولوجى" اراد أن يعرف "الفيزيس" فى الطبيعة وفى حياة الإنسان وجسده الخاص ، و "فيلولوجى" ضاق بمناهج فقهاء اللغات القديمة فى عصره – وقد كأن استاذا لها – وبضيق  أفقهم وقصور تفسيراتهم اللغوية المرهقة . ثم هو قبل كل شئ وبعد كل شئ مفكر ميتافيزيقى وفيلسوف حضارة عدمية غاربة وأخرى مقبلة في مستقبل يبشر به ويعلن عنه ويدعو إلى خلقه وإبداعه .
وتبقى في النهاية مشكلة نصوصه نفسها . أن هذا النصوص المجنحة المتوهجة بنار الغضب أو النشوة تحير كل من يحاول الاقتراب منها . فهل يمكن أن نقف منها. موقفا موضوعيا باردا يقتضيه التحليل العلمي ، وهل نستطيع من ناحية أخرى أن نقى أنفسنا خطر الأنجذاب لدوامتها والأنجراف مع حماسها وجموحها ؟ أن نيتشه يصف نفسه بأنه ليس بشرا وأنما هو ديناميت ! وهو يؤكد باستمرار أنه قدر وأن قدرا لم تسمع عنه البشرية قد ارتبط به .. ومن يطلع على صفحة واحدة من كتاباته لا ينجو من زلزلة تصيبه أو حمم تتناثر من بركانه . ولن ينسى أحد وصفه لنفسه في هذه الآبيات التي جعل عنوانها "هو ذا الإنسان" من كتابه الذي يحمل نفس العنوان:
حقا!أنى اعرف أصلى!
نهم لا اشبع
أتوهج ، آكل نفسي
كاللهب المحرق،
نورا يصبح ما امسكه
فحما ما اتركه
حقا!أني لهب محرق!
لا مفر أذن من أن نحاول الأمرين معا على صعوبة الجمع بينهما: أن نفهم هذا المفكر اللاهب الملتهب ، وأن نتعاطف معه ونجرب أن نرى رؤاه ، وبذلك نرضى مطلب الموضوعية الذي لا غنى عنه ، ونستجيب لدفئ الوجدان الساحر الذي ينفح وجوهنا مع كل سطر من سطور .الأمر عسير كما قلت ، وهو أشبه بإقامة العدل أو عقد الزواج بين الثلج والنار!أنه يتطلب اتخاذ مسافة البعد الكافية التي تحتمها النظرة العلمية المحايدة ، كما يقتضي القرب المتعاطف الذي يحتمه التعامل مع مثل هذا الفيلسوف الشاعر بالمعنى الاعمق لا بالمعنى التقليدى لهاتين الكلمتين. ولعل هذا البعد السحيق من جهة وهذا التواصل الوثيق من جهة اخرى هما اللذان تفرضهما كل علاقة أصيلة يمكن أن تنشأ بين الأنا والأنت (على حد تاكيد مارتن بوبر فى كتبه العديدة عن هذه العلاقة الجوهرية الاصيلة التى اوشكت أن تغيب غيابا مطلقا عن حياتنا العربية والمصرية!).


بقى أن نتم المهمة التى اشرنا إليها فى بداية هذا التقديم ، ألا وهى بيان التأثيرات المباشرة أو  الغير مباشرة لكتابات نيتشه " النفسية" على أعلام التحليل النفسي او بالأحرى "علم نفس الأعماق" كما يوصف في لغته . وهى مهمة سنحاول أداءها بإيجاز شديد لا يسمح المقام بتفصيله.

لنبدأ برائد التحليل النفسى ومؤسسه فرويد (1856-1939). ولنذكر اولا أنه كأن معاصرا لنيتشه الذى يكبره  فى السن بإثنى عشر عاما فحسب ، وأنه اتخذ منه ومن فلسفته موقف التحفظ الذى لم يكد يتزحزح عنه . ولعل القارئ لم ينس تلك الفقرة المشهورة من نهاية المحاضرة الثامنة عشرة من محاضراته التمهيدية عن التحليل النفسى التى يشرح فيها كيف أوذي الإنسان الحديث ثلاث مرات فى غروره واعتزازه بنفسه ومكانته فى العالم . كانت المرة الأولى عندما تم التحول الأكبر فى عصر النهضة من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس على يد كوبرنيقوس (1473-1543) الذي افترض أن أرضنا ليست هى مركز الكون ، وكأن من الضروري أن يستخلص الإنسان من ذلك أنه ليس تاج الخليقة وأن العالم لم يخلق من اجله . وكانت المرة الثانية عندما قدم تشارلز داورين (1809-1882) كتابه عن اصل الأنواع  عن طريق الانتخاب الطبيعي فاثرت نظريته في التصور الديني بوجه خاص عن كون الأنسأن صورة الله وخليفته علي الأرض . أما المرة الثالثة فكأن الأذى اشد قسوة واعمق جرحا ، إذ جاء من جانب " البحث السيكولوجي الراهن الذي يريد أن يثبت للأنا أنها لا تملك حتى أن تكون سيدة في بيتها الخاص ، أنما تظل معتمدة علي أنباء شحيحة عما يجري بصورة غير واعية في حياتها النفسية ". ومع أن فرويد يقرر في تواضع أن أصحاب التحليل النفسي ليسوا هم أول من نبه إلي ضرورة الرجوع إلي الذات ولا هم وحدهم اللذين فعلوا ذلك ، الا أنه يستطرد فيقول : " يبدو أنه كتب علينا أن نعبر عن هذا اقوي تعبير وأن ندعمه بالمادة التجريبية التي تهم كل فرد ،. ولسنا هنا بصدد مناقشة الطابع التجريبي والعلمي للتحليل النفسي ، فالجدل حول هذه المسألة يطول ، ولكننا نسأل فحسب أن كأن من حق فرويد وتلاميذه وحدهم أن يستأثروا " بمجد" إيذاء الإنسان الحديث وتعرية عالمه الباطني المظلم ، ام أن نيتشه قد سبقهم إلى الأخذ من هذا المجد بنصب !
مهما يكن الأمر فأننا نجد فرويد يشيد في سيرته ( أو صورته الذاتية) – التي نشرت سنة 1925 – بالفيلسوف شوبنهور ويتحدث عن توجه التطابق القوي بين التحليل النفسي وفلسفته . وهو يشهد بأن هذا الأخير لم يصرح فحسب بأولوية " الانفعالية " والأهمية القصوى " للجنسية " ، وأنما توصل كذلك إلى نظرات نافذة في " إليه الكبت " ( راجع سيرة فرويد الذاتية ، فرانكفورت غلي نهر الماين ، سلسلة كتب فيشر ، ص 87)(*) ويستدرك فرويد –الذي كأن فيما يبدو شديد الحرص علي عدم المساس بأصالته واكتشافه  للاوعي – فيقول أنه لا يمكن الحديث عن أي تاثير لشوبنهور عليه وعلي بناء نظريته لأنه لم يطلع علي كتابات الفيلسوف الا في وقت متأخر جدا  ولم يكن ينتظر من رجل مثل فرويد الذي عرف بثقافته واطلاعه الأدبي الواسع – أن يتجاهل معاصره نيتشه ، فنجده يسجل في الموضع السابق من سيرته هذه الملاحظة الدالة :" اما نيتشه ، الذي كثيرا ما تتطابق مشاعره ونظراته بصورة مذهلة مع النتائج المضنية لتحليل النفسي ، فقد تجنبته طويلا ولم يكن يرجع إلى السبق ( أو الأولوية ) بقدر ما كأن يرجع إلى حرصي علي المحافظة علي حريتي " ولا يخفي علي القارئ أن هذه العبارة تنطوي علي ما عكس ما أراد عالم النفس الشهير اذ يبدو أنه- في هذه النقطة علي الأقل – لم يعرف نفسه كما كأن يتوقع منه ، ولم يستطيع اخفاء اهتمامه ينفي أي تأثير عليه من نيتشه ، فكأني به  قد وقع زلة من زلات اللسان او القلم التي تثبت ما حاول أن ينكره ويخفيه ! 
ولا يتسع المجال لتناول علاقة فرويد بنتشه بصورة مفصلة ، ويكفي  أن نشير – تاكيدا لهذه العلاقة التي حاول مؤسس التحليل النفسي أن ينفيها أو يقلل من شأنها – إلى أن مؤرخ حياة فرويد – وهو العالم الإنجليزي أرنست جونز ـ يذكر في كتابه عن حياة أستاذه خطابا مؤرخا في سنة 1900 يقرر فيه أنه "مشغول بقراءة نيتشه" ، ولابد أنه لم يفته أن يطلع عليه من قبل وأن لم يبدأ العكوف عليه إلا في السنة المذكورة . ونضيف واقعة أخرى لا تخلو من دلالة على العلاقة غير المباشرة بينهما. فقد حضرت صديقة نيتشه لو سالومي (وهي التي حاول عبثا أن يخطب ودها !) مؤتمر التحليل النفسي الثالث الذي أنعقد في شهر سبتمبر سنة 1911 في مدينة فيمار . والمعروف أنها أنضمت بعد ذلك إلى مدرسة فرويد الذي اعتبرها من تلاميذه ، كما حاولت في مذكرتها التي كتبتها بعنوان "من مدرسة فرويد" أن نربط نظريات التحليل النفسي وتعبيرات نيتشه وصيغه النفسية المختلفة ، وأخيرا نشير باختصار إلى الرسائل المتبادلة بين فرويد والكاتب الروائي الاشتراكي أرنولد تسفانج (**)(1887- ) في فترة امتدت من سنة 1927 حتى سنة 1939 . فقد أخبره تسفايج أنه يزمع وضع كتاب أو رواية طويلة عن نيتشه ، ثم أرسل إليه في الثاني من ديسمبر سنة 1930 من مدينة فينا خطابا يقول فيه أنه ـ أي فرويد ـ قد حقق كعالم نفس تلك الرسالة التي شعر نيتشه بوجد أنه  الملهم أنه مكلف بأدائها ، وأن كان قد عجز عن تحويل رؤاه الشعرية إلى حقائق علمية . وأخذ الكاتب الروائي يعدد "إنجازات" فرويد التي سبقه الفيلسوف إلى الإحساس بها وصياغتها : "لقد حاول نيتشه أن يصور "ميلاد التراجيديا " ، وأنت قد فعلت هذا في كتابك عن "الطوطم والمحرم " ( التابو ) وعبر عن شوقه إلي عالم يقع وراء الخير والشر ، وقد استطاعت عن طريق التحليل النفسي أن تكتشف مملكة تنطبق عليها عبارته ، وأن تقلب قيمة كل القيم ، وتتجاوز المسيحية ، وتصوغ " خصم المسيح " الحقيقي ، وتحرر مارد الحياة المتصاعدة من الزهد الذي كانت تعتبره المثل الأعلى ، ولقد استطاعت كذلك أن ترد " إرادة القوة " إلي الأساس الذي تقومم عليه ، وأن تتناول بعض المشكلات الجزئية التي اهتم بها نيتشه عن الأصل اللغوي للمفاهيم الأخلاقية فتتطرق منها إلي مشكلات اعظم واهم من الكلام والافصاح والربط بين الأفكار وتبليغها ونتوصل إلي حلها . أما الروح المنطقية او السقراطية التي رفضها فقد قصرتها علي مجالات الوعي ووضعتها في حدودها بصورة ادق . " ولما كنت باحثا طبيعيا وعالما نفسيا يتقدم خطوة خطوة فقد أتممت ما تمني نيتشه أن يتمه ، الا وهو الوصف العلمي للنفس البشرية وجعلها مفهومة، ثم زدت علي ذلك فبينت – بحكم كونك طبيبا – سبل تنظيمها وعلاج امراضها . أنني اعتقد كذلك أن هناك قدرا كبيرا من الملاحظات الفردية – التي تتصل بفرو يد " الكاتب " وتمد جسورا بينه وبين نيتشه ، كما أعتقد أن بسالة " المتفلسف بالمطرقة " قد فاقتها بسالة الباحث بأسلوب موضوعي خالص عن الدوافع الأورفية والديونزية . واكتشاف تأثيرها وفعلها في كل واحد منا …."
ماذا كان رد فعل مؤسس التحليل النفسي علي كل هذا التمجيد والاشادة بدوره ؟
العجيب حقا أنها لم تحوله عن تحفظه تجاه الفيلسوف ، بل لعلها قد زادته إصرارا عليه ! فهو ينصح الكاتب الروائي بالعدول عن فكره تأليف الكتاب ، بل يضيف في خطاباته التإلية أننا لا نعرف الا اقل القليل عن تكوين نيتشه الجنسي ، وهذا القليل لا يساعدنا علي تطبيق ادوات التحليل النفسي لالقاء الضوء علي حياته وقدره .. ويبدو أن الكاتب لم يقتنع بالحجج التي تذرع بها فرويد ، فارسل إليه هذا الاخير – في خطاب مؤرخ في السابع من ديسمبر من السنة نفسها 1930 – هذه العبارة الدالة :" اكتب عن العلاقة بين تأثير نيتشه وتأثيري بعد أن أموت " ( ارجع الرسائل المتبادلة بين فرويد  وأرنولد تسفانج ، نشرتها ارنست فرويد ، فرانكفوت علي الماين ، 1969 ، ص 25 وما بعدها ).
لعل هذا الموقف المتحفظ أن يرجع - كما تقدم - إلى خشية فرويد أن يستقر في الأذهان سبق نيتشه وأن يضر ذلك بريادته وأصالته، والرد على هذا بسيط: فليس نيتشه هو الوحيد الذي أثر على تفكير فرويد، سواء اعترف به أم أنكره (فثمة تأثيرات مؤكدة من أسماء أخرى مثل ليبنتز وجوته وشوبنهور وكاروس - الفيلسوف الطبيعي الرومانتيكى المعروف بكتابه عن النفس وبحديثه عن اللاوعي) كما أن عشرات المؤثرات لا تصنع عبقرية، والاطلاع على عشرات الحكم والأفكار الملهمة لا يغنى عن ضرورة تشكيلها ولا ينال من أصالة اكتشاف المنهج وسبل الفحص والعلاج. هل نقول إذا مع باحث مثل هنرى ف. إلينبرجر (في كتابه اكتشاف اللاشعور، الجزء الأول عن نيتشه نبي عهد جديد، ص 73 - 385 من الترجمة الألمانية، 1973)(*) أن تأثير نيتشه يتغلغل في مدرسة التحليل النفسي بأكملها؟ أن الحكم الموضوعي النزيه يقتضي المقارنة بين النصوص مقارنة دقيقة. وهو جهد مشروع كما قلت، وسنخرج منه في النهاية بما لا يمس رائد التحليل النفسي في أصالته، ولا يحول فيلسوف إرادة  الحياة والقوة إلى عالم  نفس! وفي تقديرى أن هذه المقارنة الدقيقة – التي نفتقدها حتى الآن – ستنتهي إلى النتيجة التى أشرت إليها، ولكنها ستؤكد فضلا عن ذلك أوجه تشابه عديدة بين فكر المفكر وعلم العالم بغض النظر عما أثير حول علمه من ظنون وعما بذل من محاولات لتدعيم أفكاره بالتجارب و"التقنيات" أو الأساليب العلمية والطبية الدقيقة. سوف نلاحظ مثلا أن الفيلسوف وعالم النفس يشتركان في الاعتقاد بأن كل تفكير الإنسان وفعله وكل أشكال التعبير عن الحياة البشرية عند الفرد والجماعة أنما هى مظاهر أو ظواهر معبرة عن "عمق" باطن، وأن "اللاوعي" هو الذى يقوم في ذلك بالدور الأول والأكبر لا "الوعى"، إذ تكون السيطرة لقوى الدافع التى تأتى من مناطق لا واعية في النفس، وهى قوى أو طاقات تعد أقدم من الوظيفة العقلية، كما تكتشف عن الجانب الأكبر من شخصية الإنسان الذى يحاول بطبيعته أن يتستر خلف أقنعة من كل نوع - ويتم هذا الكشف حتى في أحلامه (حسب نظرية فرويد عن الأحلام). ولهذا يؤكد نيتشه في مواضع كثيرة من نصوصه أننا نستطيع أن   نستخلص من التعبيرات الانفعالية لأي إنسان ما يفوق في حقيقته ودلالته كل ما يمكن ان نستخلصه من العقل الذى يعمد دائما إلى الوزن والقياس والحساب والتخطيط. 
ولقد اعترف فرويد - كما سبق القول - بأن كتابات نيتشه تنطوى على نظرات حدسية نجدها في كثير من الأحيان متطابقة مع النتائج التجريبية للتحليل النفسي ، والواقع أن هذه الكتابات تتناثر فيها مفاهيم وأفكار لا شك في أهميتها وقيمتها التحليلية والنفسية، ناهيك عن مصطلحات يمكن أن توصف بأنها بذور نمت منها بعض المصطلحات التى استقرت في التحليل النفسى (مثل مصطلح "الهو" الذى يقابلنا أكثر من مرة في الكتاب الأول من هكذا تكلم زرادشت وتبقى النظرات الحدسية - كما وصفها فرويد بحق - هى الأجدر بالاهتمام، إذ لا نستبعد أن تكون قد أثرت على رائد التحليل النفسي مهما أنكر ذلك التأثير أو تنكر له . ولنذكر بعض هذه النظريات باختصار: التصور الدينامى للنفس مع تصورات أخرى مرتبطة به كالطاقة النفسية، ومقادير الطاقة الكامنة أو المعوقة، وتحويل الطاقة من دافع إلى آخر، تصور أن النفس نظام أو نسق من الدوافع التى يمكن أن تتصادم وتتصارع أو تندمج وتذوب في بعضها، تقدير أهمية الدافع الجنسي وأن لم يجعله الدافع الأول والأهم كما فعل فرويد قبل أن يتكلم عن غريزة الموت في كتاباته المتأخرة، إذ أنه يأتى عنده بعد دوافع العدوان والعدم، فهم العمليات التى سماها فرويد "إليات دفاعية" وبخاصة عملية الإعلاء والتعويض، والتعجيل أو التعويق - والذى يسميه فرويد الكبت - واتجاه الدوافع وجهة مضادة للذات نفسها. كذلك نجد بعض الأفكار المهمة متضمنة في نصوص الفيلسوف مثل صورة الأب والأم، وأوصافه للإحساس بالحقد والضمير الكاذب والأخلاق الفاسدة التى سبقت أوصاف فرويد للإحساسات العصابية بالذنب كما سبقت وصفه للأنا الأعلى، أضف إلى هذا كله أن كتاب فرويد المشهور "الضيق بالحضارة" يكاد أن يوازى كتاب نيتشه عن "تسلسل الأخلاق" موازاة دقيقة في نقد العصر والحضارة، ولعل كليهما قد تأثر بما قاله الفيلسوف والكاتب الفرنسى ديدرو (1713 - 1784) من أن الإنسان الحديث مصاب بمرض عجيب مرتبط بالمدنية، لأن المدنية تتطلب منه أن يتخلى عن إشباع دوافعه. وغنى عن الذكر أن الاثنين قد عاشا  متعاصرين، وأنهما قد مرضا بزمانهما وحضارتهما وحاولا أن يعرياهما من أقنعتهما الزائفة. والفرق الأساسى بينهما أن عالم النفس قد اهتم بالتطور الذى يبدا من الماضي بينما تطلع الفيلسوف بكل غضبه وحماسه إلى المستقبل. 
ويأتى دور الفرد آدلر (1870 - 1937) مؤسس علم النفس الفردي الذي يدور حول قضية أو فكرة تبدو  شديدة القرب من تفكير نيتشه. فالمعروف أن آدلر قد اعتبر الشعور بالنقص أو الضآلة من أهم حقائق الحياة النفسية، كما استخلص منه نتائج مهمة تتعلق بتحديد شخصية الفرد وبطابع الحياة الاجتماعية، وهو يذهب إلى حد القول بأن الإنسان هو الكائن الذى يسعى سعيا دائبا لإكمال شخصيته، وذلك بفضل إحساسه بنقصه وضآلة قيمته، فإذا عاق هذا السعى إلى الكمال عائق وحيل بينه وبين الطموح إلى القوة وإثبات الذات ظهرت عليه أعراض المرض العصابى. 
ولا شك أن العبارات السابقة تغرينا بالتقريب بين فلسفة نيشته وبين مذهب آدلر الذى يحركه الطموح إلى القوة أو "إرادة القوة". وقد نسرع إلى الظن بأن هذا المذهب يردد تنويعات مختلفة على لحن أساسى من إلحان نيتشه، وربما يؤيدنا في هذا الظن أن آدلر نفسه - في كتابه عن الشخصية العصبية (1921) - يوافق على أن "إرادة القوة" تصلح للتعبير عن مسعاه وأن هذه الفكرة الموجهة - كما يقول في التمهيد للجزء النظرى في ا لكتاب المشار إليه - "يندرج تحتها اللبيدو والدافع الجنسى والميل للأنحراف أيا كأن مصدرها جميعا، أن إرادة القوة و"إرادة المظهر" عند نيتشه تنطوى على جوانب كثيرة من رأينا الذى يقترب بدوره في بعض النقاط من آراء فيريس وغيره من المؤلفين القدامى. ولا يكتفى آدلر بهذه العبارات التى تشهد باطلاعه الواسع على فلسفة نيتشه واعترافه بتأثيرها عليه، بل يضيف قوله في كتاب آخر نشره بالاشتراك مع زميله كارل فورتميلر تحت عنوان "العلاج والتربية"، وإذا ذكرت اسم نيتشه فقد كشفت عن أحد الأعمدة الشامخة التى يقوم عليها فننا، أن كل فنان يطلعنا على خبايا نفسه، وكل فيلسوف يعرفنا بطريقته في توجيه حياته وجهة عقلية، وكل معلم ومرب يشعرنا بانعكاس العلم على وجدانه، كل هؤلاء يهدون بصرنا وإرادتنا في أرض النفس الواسعة" - (راجع كتاب يوسف راتنر عن الفرد آدلر 1972، ص 82، سلسلة كتب روفلت المصورة عن شخصيات الأدباء والفنانين والمفكرين، العدد 189)(*) 
ربما أوحى إلينا هذا كله بأن مذهب آدلر صورة نفسية من فلسفة نيتشه. غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا الظن، بل ربما جاز القول بأن علم النفس الفردي يسير في اتجاه مضاد لأفكار فيلسوف القوة. ولا يرجع هذا إلى أن آدلر قد تأثر به  كما تأثر بغيره، فالتأثيرات مهما اشتدت وتنوعت لا تصنع، كما قدمنا - شخصية ولا فكرا متميزا، وأنما يرجع إلى الفروق الموضوعية الدقيقة بينهما، فإرادة القوة التي تصورها نيتشه تختلف عن الطموح إلى القوة الذى يفسح له آدلر مكانا مهما في نظريته عن العصاب، وبينما يعبر الأول بفكرته عن إنسانية أعلى ويجعل منها وسيلة تخطى الإنسانية الحاضرة وغايتها، نجد آدلر يعتبر الفكرة نفسها وموقف نيتشه بأكمله تعبيرا عن اليأس والقلق ونزعة التعويض التي تدفع بصاحبها إلى السيطرة على الآخرين وإثبات القوة والغلبة عليهم (ولا ننسى بهذه المناسبة أن فيلسوف القوة كان فاسد المعدة مضطرب الأعصاب مصابا بالأرق المزمن وشقيا يتجاهل العصر وجحوده بحيث يمكننا أن نقول مع بعض الباحثين أن علم النفس الفردى هو أبلغ اتهام لإرادة القوة وأقسى تعرية لخداع صاحبها لنفسه وتدميره لها، وكما وضع فرويد التصميم الواعى والتدبر والحكم العقلى الواضح في مقابل الدوافع اللاوعية، كذلك أقام آدلر من الشعور بالجماعة سدا يحمى الحياة النفسية عن عواصف الطموح إلى القوة والسيطرة الإنسانية، صحيح أن آدلر قد سلم بوجود ثنائية نفسية تذكرنا بما قاله فرويد عن مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، أو دوافع الحب والحياة ودوافع التدمير والموت، ولكن الواقع أن علم النفس الفردي يحاول تحقيق التوازن بين النزوع الفردي إلى القوة وبين الشعور بالجماعة أو المجتمع. فإذا كانت إرادة القوة تمثل الدافع الأصلى وتعبر عن غريزة الحياة الأساسية والمحور الذى يدور حوله الوجود، فأن الشعور بالجماعة هو الأصل والأساس في حياة الإنسان، وما النزوع إلى القوة إلا حركة نفسية نابعة من عقدة الشعور بالنقص (أو ضآلة القيمة) مفسدة للإنسان مدمرة لكيانه.
وليس الإنسان في نظر علم النفس الفردى مجرد حالة فردية أو استثنائية تطمح إلى القوة والسيطرة ولا تعرف شيئا عن الحب كما زعم فرويد عن تلميذه المنشق ! وأنما يقاس الفرد دائما بمقياس الإنسان المثالي الذى يتبع قواعد اللعبة التى يسنها المجتمع ويسير- على هدى التربية وعلم النفس - إلى تحقيق الحياة الإنسانية المشتركة مع إخوته في الجماعة الإنسانية.
ونصل أخيرا إلى العلم الثالث من أعلام "علم نفس الأعماق" وهو كارل جوستاف يونج (1875 - 1961) لنعرف إلى أى حد تأثر "بالخبير بالنفوس". والحق أن يونج يسلم بهذا التأثير بجوأنبه الإيجابية والسلبية. ونستشهد على هذا برسالة كتبها قبل موته بشهور قليلة إلى أحد رجال الدين الأمريكيين وقال فيها: "أن تقديم تقرير مفصل عن تاثير أفكار نيتشه على تطورى العقلى لمهمة طموح تتخطى حدود قدرتى. فقد أمضيت شبابى في المدينة التى كأن نيتشه قد عاش فيها فترة من حياته وعمل في تدريس اللغات القديمة في جامعتها، وبذلك شببت في جو لا يزال يرتجف تحت سطوة مذهبه، على الرغم من أن هجماته كانت تلقى مقاومة شديدة. لم أستطع أن أتجنب الأثر الذى أحدثه إلهامه الأصلي على نفسى وشدنى إليه بقوة. فقد كأن يتميز بالإخلاص والصدق الذى لا يمكن أن يدعيه عدد غير قليل من الأساتذة الأكاديميين الذين يهتمون بمظاهر الحياة الجامعية أكثر مما يهتمون بالحقيقة. والأمر الذى أثر في أعظم تأثير هو لقاؤه بزرادشت ونقده "للدين"، هذا النقد الذى أفسح في الفلسفة مكانا للعاطفة المتوقدة من حيث هى دافع أصيل على التفلسف. شعرت أن "التأملات لغير أو أنها" قد فتحت عيني، أما "تسلسل الأخلاق" و "العود الأبدى" فكأن حظهما من اهتمامي أقل، واستطاعت أحكامه السيكولوجية النفاذة أن تبصرنى تبصرة عميقة بما يمكن أن يحققه علم النفس.
وعلى الجملة، كأن نيتشه بالنسبة إلى هو الإنسان الوحيد الذي قدم لى في ذلك العصر إجابات كافية، عن بعض الأسئلة والمشكلات الملحة التى كنت أشعر بها أكثر مما أفكر فيها (رسائل يونج، الجزء الثالث) ص 370 وما بعدها). 
هذا الاعتراف الصريح من مؤسس علم النفس التحليلى لا يحتاج إلى تعليق. ويمكن أن نضيف إليه اعترافا آخر يسجله بكل العرفان عن سنوات الطلب والتحصيل في شبابه، فقد أقبل على قراءة نيتشه في نهم وحماس، ثم قرأ "هكذا تكلم زرادشت" فكانت قراءته لهذا الكتاب بجانب فاوست لجوته - أقوى تجربة مر بها في شبابه (راجع ليونج: ذكريات وأحلام وأفكار، نشرتها أنبيلا جافيه، زيورخ وشتوتجارت، 1963، ص 109 وما بعدها)(8). (*)ولعل أول أثر لهذه القراءة قد ظهر في رسالته الجامعية عن "سيكولوجية الظواهر المسماة بالظواهر الخفية وتشخيص أمراضها" (1902) فقد درس فيها حالة من حالات "الكريبتومنيزيا" التذكر الخفي واللاشعوري) والتى صادفها عند نيتشه. 
ولم تمض سنوات قليلة حتى رجع إلى نفس الموضوع، وحاول أن يتحسس طريقه إلى "شيطان اللاوعي" الذى وقع الفيلسوف تحت تأثيره السحرى. عند تدوينه لكتابه عن زرادشت: "أن هذه الاهتزازات الراجفة العميقة للمشاعر، وهى التى تتخطى مجال الوعى وتتجاوزه، هى القوى التى أظهرت للنور أقصى التداعيات تطرفا وخفاء، هنا اقتصر الوعى على القيام بدور العبد الخادم لشيطان اللاوعى الذى طغى على الوعى وراح يغمره بالخواطر الغربية، وما من أحد استطاع أن يصف حالة الوعى بمركب لا واع مثل نيتشه نفسه (الكلريبتومنيزيا، في المجلد الأول من مؤلفات يونج الكاملة ص 113 وما بعدها) - ويحاول الطبيب النفسى الشاب أن يتابع هذا الموضوع الشائك عن "الأرواح" والأرباب عند الإغريق وبخاصة عن شخصية ديونيزيوس مع الإشارة الصريحة إلى تأثيرها على نيتشه ابتداء من كتابه "ميلاد التراجيديا" فيقول في رسالة وجهها سنة 1909 إلى فرويد : "يبدو أن نيتشه قد أحس بهذا إحساسا قويا، ويخيل إلى أن الديونيزى" كأن يمثل موجة ارتداد جنسية لم تقدر قيمتها التاريخية حق قدرها، وقد تدفقت بعض عناصرها الجوهرية إلى المسيحية، وأن طبقت تطبيقا آخر يتسم بالاعتدال والتصالح (رسائل يونج، الجزء الأول، ص 35).
ولا يقف الأمر عند هذه النصوص وأشبابهها لبيان تاثير نيتشه على يونج، فالواقع أن خيوط هذا التأثير بشخصية نيتشه و"نمط" حياته وتفكيره بل وأحلامه ورؤاه تتخلل كتاباته من بداية حياته إلى نهايتها. ولا شك أنه كأن صادقا كل الصدق عندما قال في كتابه المشهور عن" سيكولوجية اللاوعي" 1912 (وطبع طبعات منقحة بعد ذلك) أنه قد بدأ حياته طبيبا نفسيا وعقليا، ولكن نيتشه هو الذى أعده إعدادا لعلم النفس الحديث (سيكولوجية اللاوعي، المجلد السابع من المؤلفات الكاملة، ص )128 (*).  ولولا ضيق المقام لتعرضنا للتجارب "الدينية" التي مر بها الفيلسوف وعالم النفس في صباهما وشبابهما، إذ أنحدر كلاهما من صلب قسيس، ووجد نفسه محاطا بعلماء اللاهوت الذين عجزوا عن الإجابة عن الأسئلة التي أرقتهما. 
ولكن الأهم من ذلك ألا ننساق وراء التأثير والتأثر - الذى يظل في تقديرى أمرا غامضا على كل المستويات!-  وأن علم أن مؤسس علم النفس التحليلى لم يكن مجرد معجب متحمس لفيلسوف الإرادة والحياة وأنما أتيح له أن يتطور وينضج ويجد ذاته وينظر إليه بعين ناقدة. ونكتفى في هذا الصدد بمثلين نقدمهما من مؤلفاته، فهو في كتابه عن "الأنماط النفسية" (1921) - وهو أول مؤلف كبير بعد كتابه عن تحولات اللبيدو ورموزه الذى شهد أنفصاله عن فرويد (1912/1913) - لا يكتفى بسرد نصوص يقتبسها من نيتشه، وأنما يتناول شخصيته كمثل على نوع من الوعى الذى يحاول بكل جهده ا لسيطرة على الدوافع المظلمة. أنه يذكر بالتقابل الأساسى الذى يعبر عن التضاد الحاسم بين طرفين هما ديونيزيوس وأبوللو - كما عرضه نيتشه في كتابه المبكر عن ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى - ثم يتطرق إلى نقد دينامية الدوافع الكامنة وراء هذا التضاد، ويسوق أمثلة اخرى من التاريخ الحضارى والأدبي نذكر منها رسائل الشاعر الفيلسوف شيلر (1759 - 1805) عن التربية الجمالية ليعزز بها نقده.
لقد أهمل المفكران الشاعران في رأيه البعد الدينى واقتصرا على الاهتمام بالبعد الجمالى والفنى لشخصيتى أبوللو وديونيزيوس، وهو لا يكفى لتفسير مضمون التجربة الدينية والتاريخية التى تغلغلت في "اللاوعى الجمعى" لقدماء الإغريق فضلا عن أن نيتشه قد تجاهل الجانب الصوفى والتأملى الذى اتسمت به طقوس ديونيزيوس في أماكن مختلفة من بلاد الإغريق: "لقد اقترب نيتشه من الواقع إلى الحد الذى جعل تجربته الديونيزية المتأخرة أشبه بنتيجة ضرورية لا مفر منها، أما هجومه على سقراط في ميلاد التراجيديا فهو هجوم على العقلاني العاجز عن الإحساس بالنشوة والتوهج الديونيزى (الأنماط السيكولوجية)، المجلد السادس من المؤلفات الكاملة، ص 151)(*) وقد كأن من الطبيعى أن يحاول  يونج فحص الخصائص النفسية لهذين النمطين الأسطوريين وأن يحاول أن  يبين العلاقة بينهما وبين نظريته عن الوظائف النفسية والمواقف أو الأنماط الأساسية التى تؤدى في مذهبه دورا كبيرا (والمعروف أنه يحدد أربعة أنماط من الوظائف هى التفكير والشعور والإحساس والحدس، كما يحدد نمطين أو موقفين أساسيين هما الانطواء والانبساط). وهكذا يجد أن ما يصفه نيتشه "بالديونيزى" يقترب  في تصوره من الشعور المنبسط المتجه إلى الموضوعات الخارجية، إذ تظهر في هذه الحالة تأثيرات أو أنفعالات دافعية قاهرة وعمياء تعبر عن نفسها في صور جسدية عنيفة، أما ما سماه نيتشه "بالأبوللونى" فهو - كما أوضح بنفسه - تعبير عن إدراك الصور الباطنة للجمال والحب والمشاعر المعتدلة المنظمة. وتبرز طبيعة الحالة الأبوللونية إذا قارنا بينها وبين الحلم. فهى حالة استبطأن وتأمل متجه إلى الباطن مستغرق في عالم الحلم الغنى بالأفكار والمثل الأبدية، أى أنه في النهاية تعبير عن حالة الأنطواء (المرجع نفسه، ص 152) ثم يتطرق عالم النفس إلى تحليل شخصية نيتشه نفسه فيقول أنها تجمع بين الوظيفة النفسية للحدس من ناحية وبين وظيفة الإحساس والدافع من ناحية أخرى، أنه يمثل النمط الحدسى أو الوجدأنى الذى يميل للانطواء، يشهد ذلك طريقته الحدسية والفنية في الأنتاج كما يدل عليه أسلوبه في الكتابة بوجه عام وفي ميلاد التراجيديا. وزرادشت بوجه خاص. ومع ذلك فأن هذه النزعة الانطوائية تخالطها - كما نرى من كتبه العديدة التى وضعها في صورة حكم منثورة - نزعة عقلية ونقدية حادة متأثرة باعتراف صاحبها نفسه بإعجابه بحكم الكتاب الأخلاقيين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، وتبقى الغلبة في نهاية المطاف للنمط الحدسي المنطوى الذى يفتقر عموما إلى التحدد والتنسيق العقلي والمنهجي. ويميل إلى إدراك "الخارج" عن منظور "الباطن" ولو على حساب الواقع. ويظل الفيلسوف طوال حياته واقعا تحت تأثير السمات الديونيزية للاوعى الباطن، إذ لم تبلغ هذه السمات سطح الوعى إلا بعد أن تفجر مرضه الأخير واستسلم لغيبوبته العقلية الطويلة التى انتهت بموته، ولم تظهر قبل ذلك إلا في مواضع قليلة متفرقة من كتاباته في صورة رموز وإشارات شبقية. 
أما المثل الثاني الذي يدل على مدى اهتمام يونج بشخصية نيتشه فيمكن أن نسوقه من النصوص المختلفة التي تعرض فيها العالم السويسري "للقدر" الألماني والمحنة التى جرها الألمان على ملايين البشر في حربين عالميتين، فنحن نجد في كتابه السابق الذكر عن الأنماط النفسية إشارات يفهم منها أن "زرا دشت" نيتشه قد ألقى الضوء على مضمونات من اللاوعى الجمعى مرتبطة بظهور "الإنسان القبيح" وبالمأساة اللاشعورية الفاجعة التى يعبر عنها هذا "النبى - الضد" أو المتنبئ المعذب (وقد كأن العصر يفيض في ذلك الحين بجرائم الفوضويين والعدميين ومقتل الأمراء والنبلاء والحكام وتطرف إليساريين .. الخ) أما عن اللمحات والرموز التى فاضت عن اللاوعى الأوربى للتعبير عن الخطر القادم على يدى الوحش الفاشى فنلاحظ أن يونج يتحدث عن "البربرى الجرماني" في دراسة صغيرة له عن "اللاوعى" ترجع إلى سنة 1918. والغريب في حديثه أنه يعهد إلى المسيحية بمهمة ترويض الجانب "الواضح والأعلى" من وعى هذه الجماعة الخطرة، ويترك مهمة التحكم في جانبها "السفلى" للعناية الإلهية! والأغرب من هذا أنه لا يذكر الخطر الجرماني وحده، وأنما يؤكد أن "الجنس الآرى الأوربى" يتعرض لنفس الخطر النابع من عمق اللاوعى الجمعى، ثم يشير إلى نيتشه إشارة غير خافية حين يقول أن "الوحش الأشقر يمكنه في سجنه السفلى أن يستدير إلينا فيهددنا أنفجاره بأفظع النتائج عن هذه الظاهرة تتم كثورة نفسية في داخل الفرد، كما يمكن أن تظهر في صورة ظاهرة اجتماعية، (عن اللاوعى، المجلد العاشر من المؤلفات الكاملة، ص 25)(*). 
لقد صدق تاريخ  العالم حدس يونج واستيقظ الوحش الأشقر وفجر حمم الكارثة، فهل نقول إليوم أنه ظلم نيتشه فصوره (كما فعل توماس مان بعد ذلك في روايته الرائعة عن الدكتور فاوستوس التى تحمل ملامح من نيتشه ومن المؤلف الموسيقى الغريب الأطوار أرنولدج شينبرج ..) في صورة النمط المعبر عن الوحش الأشقر، أم أنه أنصفه حين أكد أنه عبر عن ذلك "البربرى" الكامن في طبقات اللاوعى السفلى من كل جرمأنى وفي أعماق نيتشه نفسه وتجربته؟ مهما يكن الأمر فأن يونج قد اهتم من الناحية العلمية البحتة بإبراز قوى الدوافع "النمطية الأولية" التى وصفها نيتشه نفسه وأعلن عن عواصفها وصواعقها المقبلة وحذر من أخطارها، وكأنهما كأن هذا الشاعر الفيلسوف "الخبير بالنفوس" هو ساحر العصر الذى يستحضر أرواح الشياطين المدمرة، ويتنبأ بالكارثة المحتومة، ويعرى الأقنعة الحضارية والأخلاقية والفكرية الزائفة لتسقط وسط الحطام الهائل المتراكم على صدر أوربا العجوز: "ويل لهذه المدينة العظيمة - وأنا الذى تمنيت أن أشاهد أعمدة النار التى تحترق فيها! لأن هذه الأعمدة النارية يجب أن تسبق الظهر العظيم. ومع ذلك فلهذا أوأنه وقدره الخاص!!"
أن هذا النص الذى نجده في زرادشت كما نجد أشباهه في كتب نيتشه الأخرى يدل دلالة واضحة على أنه كأن فيلسوف الكارثة. ومع ذلك فأن أمثال هذه النصوص المزدحمة بصور الخراب ورموزه لا يصح أن تغرينا بتفسيرها تفسيرا تاريخيا ضيقا، ولا يجوز أن تنسينا لحظة واحدة أنها تعبر تعبيرا رمزيا عن "الزلزلة القادمة" التى ستتبعها إشراقة "الفجر الجديد" (ولا ننسى أيضا أن الرموز الأصيلة ذات أبعاد عميقة متعددة).
ونسأل أخيرا: ما هى هذه الزلزلة؟ وما هو هذا الفجر الجديد؟ ليس من السهل أن نحدد ما يقصده نيتشه بهاتين الكلمتين أو بغيرهما من كلماته ومصطلحاته الفنية المليئة بالإيحاءات والإشعاعات. ولكن ليس من الصعب كذلك أن نرى - على ضوء ما سبق وما سيأتي بعد أن نيتشه يمثل "صدعا في تاريخ البشرية" (والتعبير لفيلسوف الحياة لودفيج كلاجيس الذى تقدمت الإشارة إليه). ولقد أكد تأكيدا لا مزيد عليه أنه "آخر العدميين"، وأن رسالته هى الكشف عن تصدع عصره "البرجوازى" وأنهياره على رؤوس رجاله الجوف، وتعرية وعيه الكاذب بأسره، وتغيير ألواح قيمه التى فقدت قيمتها بعد أن تداعى عامود النظام الميتافيزيقى الذى كأن يستند عليه، ولكن من الذى سيطلع هذا الفجر الجديد؟ من الذى سيحول القيم من اللوجوس (المنطق والجدل العقلى) إلى البيوس (الحياة وإرادة المزيد من الحياة)؟ وأخيرا من الذى سيبدع هذا العالم الجديد؟ أنه جيل المبدعين من أفراد الإنسان الأعلى . وليس الإنسان الأعلى على الإنسان المبدع.  ومن أجل هذا الإنسان الذى اشتدت حاجتنا إليه كتب هذا البحث، تحية للمبدعين الحقيقيين ولكل من يساعدهم على فهم أسرار الإبداع.  

الجمعة، 28 أكتوبر 2016

نيتشه وعلم اللاهوت

د. مراد وهبه 

في كتابه المعنون "تاريخ الفكر اللاهوتي" يقول عالم اللاهوت الألماني بول تليخ "أن فريدريش نيتشه هو من أعظم المفكرين الذين  أثروا ,مؤخرا ,في تطور علم اللاهوت وذلك بسبب هجومه على المسيحية (1) وهذا النص يعنى ان ثمة نقطه التقاء بين نيتشه وعلم اللاهوت .
والسؤال أذن :-
أين تقع نقطة الالتقاء ؟
أنها تقع بالضرورة عند مفهوم الله بحكم أن علم اللاهوت محوره الله في علاقته مع العالم ومع الإنسان .
والسؤال:
ما هي  مكانة الله في فلسفة نيتشه ؟
في كتابة المعنون "هكذا تكلم زرادشت " يقول نيتشه :
"آيها الإنسان الأعلى, تعلم منى. في السوق لا أحد يؤمن بالإنسان ,الأعلى .إذا أردت أن تتكلم هناك فاذهب,ولكن الغوغاء تغمز وتقول: نحن جميعا متساوون …
أيها الإنسان الأعلى - هكذا تغمز الغوغاء - ليس ثمة إنسان أعلى . فالإنسان هو الإنسان .وأمام الله نحن متساوون …أمام الله ! ولكن الآن الله قد مات … دعونا نرفض أن نكون متساوين أمام الغوغاء "(2)
فى هذا النص ثمة مفهومان ينفى أحدهما الأخر وهما الله والإنسان الأعلى،  بمعنى أن الإنسان الأعلى لا يتحقق إلا إذا كان الله قد مات . وهنا ثمة سؤال لابد أن يثار :
من هو هذا الإله الذي قد مات عند نيتشه ؟
نجيب عن هذا السؤال من تاريخ الفلسفة. ففي العصر اليوناني القديم أتهم سقراط بأنه ينكر الآلهة, وبأنه يتجول في الأسواق لكي يحث الغوغاء على قبول هذا الإنكار فحكم عليه بالإعدام. وحقيقة الأمر أن سقراط كان ينكر آلهة معينة ويبحث عن بديل لها. وبفضل هذا الإعدام, وعلى الرغم منه, أتخذ الفلاسفة مسار لولبيا يتسم بحركة ديالكتيكية تترجم بين السلب والإيجاب. فمفهوم الله عند أفلاطون ليس واضحا فهو تارة الموجود الكامل أو المعقول في مقابل العالم المحسوس على نحو ما هو وارد في محاورة "فيدون" . وفي "المأدبة" يوحد أفلاطون بين الواحد ومثال الخير أو بين الواحد والجمال ذاته, أما أرسطو فالله عنده هو المحرك الأول وهو لابد أن يكون واحدا ومع ذلك يقول إلى جانب المحرك الأول عقول أزلية أبدية مثل الله,   وبأن هناك عقول صرفة مثله تماما. ولكن على الرغم مما يبدو من غموض في مفهوم الله عند أفلاطون أو أرسطو إلا أنهما متفقان على أن الله مفارق, وقد أصبح هذا المفهوم عن الله أنه مفارق هو السائد عند الفلاسفة الذين يؤمنون به باستثناء مذهب وحدة الوجود الذي ينكر هذا العلو لأنه يوحد بين الله والطبيعة كما هو الحال عند سبينوزا.
وقد أتخذ أصحاب مفهوم الإله المفارق مسارات متعددة في البرهنة على وجوده حتى جاء كانط وانتقد علم اللاهوت الذي يدور على التسليم بإله مفارق ويبرهن على وجوده, وحصر كانط هذه البراهين في ثلاثة: البرهان الأنطولوجي والبرهان الطبيعي والبرهان الطبيعي الإلهي. والبرهان الثاني والثالث يعتمدان على البرهان الأول فإذا ثبت أنه فاسد لزم أن البرهانين الأخريين فاسدان. ويبرهن كانط على فساد الأول بدعوى أنه يعتمد على تعريف الله بأنه الموجود الحاصل على جميع الكمالات. والوجود من الكمالات لأنه لو كان الكامل غير موجود لكان ناقصا وهذا خلُف. ونفَيْ كانط لهذا البرهان الأنطولوجي مردود إلى سببين. السبب الأول أن الوجود ليس كمالاً من الكمالات لأنه لا يضيف شيئا إلى معنى الله. والسبب الثاني أن هذا الوجود هو وجود ذهني وليس وجودا عينيا. والانتقال مباشرة من الوجود الذهني إلى الوجود العيني لا يتم بالحدس العقلي. والعقل الإنساني ليس حاصلا على هذا النوع من الحدس, ومن ثم فهو انتقال غير مشروع. وتأسيسا على ذلك ينتفي نظريا وجود إله مفارق. 
وأغلب الظن أن هذا النفي النظري لإله مفارق هو الممهد لموته على نحو ما يرى نيتشه. ودليلنا على ذلك مسألتان : المسألة الأولى أن ثمة علاقة تضاد بين نيتشه وعلم اللاهوت الكلاسيكي الذي يعتمد إلها مفارقا كعلة غائية. ويرى نيتشه أنه ليس من حقنا أن نبحث في طبيعة الوجود لكي نصل إلى العلة الأولى, أي ليس من حقنا الاستناد إلى البرهان الطبيعي لإثبات وجود إله مفارق. أما مفهوم الغاية فهو من اختراعنا لأنه ليس ثمة غاية في الواقع(1) أما المسألة الثانية فتدور على ما حدث لعلم اللاهوت من تطور في الستينات من القرن الماضي, أو على وجه التحديد بعد موت نيتشه بحوالي ستين عاما. ففي مارس عام 1963 صدر كتاب للأسقف وولوش جون روبنسون عنوانه "لنكن أمناء إلى الله" يقع في 141 صفحة من القطع الصغير. وصدرت منه تسع طبعات في ذلك العام منها أربع طبعات في شهر مارس. وصدرت منه 350.000 نسخة. وقبل صدوره بأسبوع نشر روبنسون مقالاً في جريدة "observer" تحت عنوان "أن صورتنا عن الله يجب أن تزول" أما الكتاب فيدور كله على التدليل على ضرورة زوال مفهوم الإله المفارق أو الإله الذي هو "هناك" أو الموجود الذي هو فوق لأن هذا الإله قد مات.
وفي عام 1966 أصدر توماس التيزر كتابه الضخم المعنون "إنجيل الإلحاد المسيحي" جاء فيه "أن الله قد مات في زماننا" وفي تاريخنا , وفي وجودنا وأن نيتشه قد اقتضى هذا المفهوم في القرن التاسع عشر , وبقى على اللاهوتيين في القرن العشرين التبشير بهذا الحدث وسط الجماهير على الإطلاق, والجماهير المسيحية على التخصيص ذلك أن المفهوم التقليدي عن الله من حيث هو مستقل عن العالم المخلوق ليس إلا مؤقتا من أساليب التفكير, وإسقاطا  للاغتراب الذي يعاني منه الإنسان مع ذاته وقد جاء الأوان للتحرر منه.  وأننا في حاجة إلى  إيمان جديد ينبع من تصورنا أن الله متطور وفي حركة دائمة. وأن هذا الإيمان الجديد ينفي المفهوم الكلاسيكي عن الله.
وفي عام 1966 نشر وليم هاملتون كتابا مع توماس التيزر  عنوانه "اللاهوت الراديكالي وموت الله" ويرى هاملتون, على الضد من التيزر أن المسألة ليست مسألة تحديد موت الله عند فترة معينة في التاريخ وإنما المسألة تقف عند حد أن "موت الله هو حدث تاريخي ثقافي تم في أوربا وأمريكا في القرنين الأخيرين" وما على الإنسان إلا التكيف مع هذا الحدث, وقبول الموت التاريخي الثقافي لله لأنه لم يعد صالحا لتحريره من القلق واليأس. ومع ذلك فأن هاملتون لم يفقد الثقة في عودة الله بشرط أن يؤدي دورا جديدا. وهو في ذلك قريب الصلة بدافع صمويل بيكت في روايته المشهورة والغامضة المعنونة "في انتظار جودو" ومن ثم تصبح حركة موت الله مزدوجة بمعنى أن تكون مسيحيا تعادل أن تكون منتبها إلى العالم ومبتعدا عن الدين, ولكن مع انتظار جودو في إطار يلائم هذا العصر التكنولوجي. ويعتقد هاملتون أن هذه الرؤية الجديدة تعبر عن مرحلة ما بعد عقدة أوديب, وهي عقد نشأت بسبب قتل الأب.
يبقى بعد ذلك بول فان بورن الذي يسير في اتجاه لاهوت موت الله, ولكن استناداً إلى التحليل اللغوي وذلك في كتابه المعنون "المعنى العلماني للإنجيل" فهذا القس البروتستانتي يرى أن القضية التي تقول إن "الله موجود" هي بلا معنى في ضوء مبدأ التحقيق الذي يشترط مطابقة القضية للمعطيات الحسية لكي يكون لها معنى. زمن ثم فهو يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه نيتشه, إذ أن لفظ "الله" لم تعد في حاجة إليه لأنه بلا معنى 
هذا موجز لعلاقة نيتشه بحركة لاهوت موت الله وهي حركة تميزت عن الحركات اللاهوتية الأخرى بأنها حاولت أن تكون جماهيرية, ولهذا كانت منتجاتها رخيصة الثمن. ومع ذلك فأنها لم تستمر إذ توقفت عند السبعينات مع بزوغ الأصولية المسيحية كحركة جماهيرية 
وفي ضوء هذه النتيجة نثير هذا السؤال العمدة : ما العلاقة بين الجماهير والنخبة ؟ 

الخميس، 27 أكتوبر 2016

نيتشه بين فلسفة التاريخ والأخلاق

د.  على حسين الجابري
المقدمة :

نعرض في هذه الدراسة لفلسفة نيتشه في التاريخ والأخلاق بالمقارنة مع هيجل. وقد قسمناها إلى قسمين الأول حول فلسفة نيتشه والثاني مقارنة ذلك مع فلسفة هيجل.
فر يدريك نيتشه ( 1844-1900 ) مفكر فرزه القرن التاسع عشر بعد وفاة مواطنه هيجل بسنين قليلة, ليساهم هو الأخر, بنصيب ملحوظ في توجيه الفكر الأوربي الحديث   بعد أن سحر ببريق الدارونية, مستبطنا تاريخ العالم, يتصيد منه ما يؤيد فلسفته الخلقية, التي كانت في مجملها, حملة شعواء على قيم  عصره  محاولا إنقاذ الإنسانية والحضارة من التحلل الذي أصابها   وكاد يهددها بالسقوط. وبذلك حول نيتشه الفلسفة – كما يقول لافريه – إلى سلاح مصقول في صراعه من أجل الحفاظ على الذات  التي ركبها من خليط عجيب، اجتمعت فيه صورة الفيلسوف بالفنان المأساوي ، والقديس .
لقد تميز نيتشه بنظرة بيولوجية في تحري تاريخ الإنسانية، الماضي, ومظاهر الانحلال  الأوربي المعاصر, فأعلن نقمته على أوربا, قائلا "كل حضارتنا في أوربا ما زالت تئن وتتلوى كأنها في انتظار الكارثة"  لقد سيطرت الكمية على حساب النوع, وصارت الحضارة الخلاقة تختنق شيئا فشيئا, بدخان الانتاج الصناعي الجبار, فتطور الإنسان الخارجي , على حساب الإنسان الداخلي .
وكما وجدنا هيجل مرآة عصره, ظهرت أفكار نيتشه  مصطبغة بما عاناه من ظروف حياتيه وتربوية واجتماعية سيئة, دفعت به إلى أن يثور على أسرته وأصدقائه وعصره مدفوعا وراء نداء داخلي, يحثه على اتخاذ الموقف الذي يؤهله إلى احداث ثورة في ميدان الفكر  ويحق لنا أن نعده فيلسوفا غلب على تفكيره الجانب الخلقي المحكوم بالقوانين البيولوجية الصارمة, استبطن التاريخ باحثا لفكره عن موقع.
2- فلسفة ، نيتشه والتاريخ:
فكما وجدنا تاريخ هيجل محكوم بمنطقه، عمل نيتشه على أن يحكم التاريخ بأخلاقه فالتاريخ كله، عند هذا الفيلسوف يسير مدفوعا بإرادة الظفر خلال قوة لا تعرف الرحمة، أن القوة هي المبدأ الأول للحياة… وإن عذاب الكثرة ضروري للانتصار القلة، وأنبل عمل في العالم هو شن الحروب  لتحقيق طموحات القلة.
وهدف السادة الأقوياء، قلب المجتمع القديم (فالأنا) الكلي المقدس أو (الأثرة) المباركة، تعتمد على قوانين التطور التي لا رحمة  فيها والروح السامية لديه هي التي تبلغ أقصى درجات الأثرة.
سعى نيتشه من وراء ذلك إلى ممارسة عملية الهدم ليتسنى له البناء، فجاء ملخص رأيه في القيم قريبة من مقولة السوفسطائيين "الإنسان مقياس كل شيء"  حيث صبها في العبارة التالية "قيمة الأشياء ليست في ذاتها، وإنما الإنسان هو الذي يصنع القيم للأشياء، فخالق القيم إذن هو الإنسان 
فدعا إلى قلب القيم السائدة. وحاول متأثرا بالدارونية ، أن يرد القيم الأخلاقية إلى أصول حيوية عضوية  رافضا قيم عصره في كتابه "إرادة القوة"  بمحاولة فلسفية جدية، تناولت المبحث الفلسفي الجديد "القيم" بما ينم عن سعة تفكيره حيث عبر عن الفلسفة الكامنة في كل تقدم أحرزه العقل البشري في تأكيده على خلو العالم من القيم التي لا يخلقها الإنسان ذاته، والتي لا تضيفها على العالم ألا مطالبة وحاجاته  دون أن يعوقه عائق.
أن الحياة هي المحور الذي ربط من خلاله نيتشه بين الإنسان والقيم، ويضيفها فيما بعد، على كل ما في الطبيعة من مظاهر "فالحياة" أصل القيم العقلية والأخلاقية 
 أما فلسفته في التاريخ فيمكن متابعتها في الأخلاق ومبحث الصراع الذي يحكم العلاقات بين الناس،  منذ أقدم العصور .  والحضارات الكبرى، نشأت هي الأخرى بفضل الجهود العظيمة التي قامت بها طائفة من الأرستقراطيين (على شكل حيوانات شقراء) حينما فرضت إرادتها على الشعوب التي قطنت أسيا وأروبا، فكانت أساسا لنشأة الحضارات اليونانية والرومانية والجرمانية  حيث اخترعت لها الشرائع من القيم الأخلاقية المستندة على قوة جسمية وصحة زاهرة… وكل ما يتصل بالقوة والغزو والحرب والمخاطرة والصيد والرقص والألعاب البدنية  وظهر ذلك جليا في المدن اليونانية التي تحقق فيها بنجاح ذلك الانتصار المتمثل بالقول والتحطيم الباعث على شعور الأرستقراطي الأخاذ بالفوز وهو يعذب الأخرين .
ومن أجل ضمان ديمومة نفوذ هؤلاء الأرستقراطيين عملوا على تطبيق برنامج تربوي يتناول الفرد والأسرة. ويؤكد على الجسم والعقل، فكانت أسبرطة عزاء للنفوس المريضة.
ولا يعتقد نيتشه. أن كل إنسان (بالطبع) إما سيدا أو عبدا بل المقياس هو في انضواء الإنسان (بالتربية) تحت واحد من الأنماط الأخلاقية المتناقضة، وشعوره بالأنتماء إلى :
1- جماعة حاكمة تشعر باختلافها عن الجماعة المحكومة شعور يصاحبه إحساس بالسرور لتوكيد الذات (النبيلة) التي هي عنوان "الخير" 
2- أو جماعة محكومة (العبيد) الخاضعة للحكام الأشداء.
  أما مواصفات السادة عند نيتشه، فقريبة من وصف ارسطو للرجل ذي الروح العظيمة   
والتاريخ عنده يلخصه ذلك الصراع بين الحاكمين والمحكومين، بين السادة والعبيد وهو بالتالي صراع حاد بين أخلاق وقيم السادة  وأخلاق وقيم العبيد، حيث يبدأ العبيد بثورتهم، فيقلبوا ما أصطلح عليه السادة من أوضاع، فيبدلون قيم السادة بقيمهم المتخلفة، ويحاول السادة إعادة الأمور إلى طبيعتها بصراع مضاد.  أن هناك حربا شعواء بين قيم السادة، وقيم العبيد، وحرب العبيد ضد السادة في عرفه غير متكافئة، لأنها تعتمد على "القوة" و "البساطة" و "الشجاعة" بل دعامتها "اللؤم" و (الخبث و الضعف)  فيصبح الخير شرا والعكس بالعكس مما يحفز السادة إلى استعادة مكانتهم وحماية قيمهم، ويتحقق لهم ذلك لأن ذلك أخلاقهم أخلاق "أقوياء" ومقياس أخلاقية الفعل  عند نيتشه هو تعبيره عن روح "القوة"  التي يستشعرها المرء في ذاته،  وهذا  الفعل يجب أن يلائم تلك النفوس الزاخرة التي تشعر بأنها هي التي تمنح القيم وتخلقها . ولكن بسبب تكتل العبيد، "وكثرة" عددهم، يتحقق لهم الانتصار على السادة.
هذا هو جدل الصراع عند نيتشه، صراع ثنائي بين قيم متناقضة ورغبات متفاوت، تلعب فيه القوة تارة – دور المؤثر تقابلها الكثرة تارة أخرى وإن التاريخ صراع بين قيم القوة والكثرة مسيرة هذا الصراع متفاوتة بين الهدم والبناء ومهمة السادة (الهدامين) (الخالقين) كما أعلنها "زرادشت" هي العمل على (هدم) قيم العبيد، وبناء عالم (الأقوياء) بما يمهد لظهور رمز التطور التاريخي البيولوجي ونعني به (الإنسان السامي – السوبرمان).
يقابل ذلك نقيض يعمل (يهدم) قيم السادة، وبناء البديل الخلقي لعالم الكثرة والضعفاء ونعني به مجتمع المساواة، المعتمد على قيم يسميها نيتشه ( الضعف والذلة والخنوع)  
لقد جسد نيتشه (تاريخ العالم) بتأريخ الصراع بين القيم، مقتفيا أثر هيجل في استقراء مراحله، وأن مال إلى التفصيل، بفضل تأخر زمانه عن زمان هيجل وتوسع الدراسات التاريخية خلال تلك الحقبة، فظهرت له سلسلة الصراع بين (القوة) و(الكثرة) بتعاقب زمني لا يخلو من الانتخابية فكانت :-
1- المرحلة اليونانية التي تمثل التنافس الخالي من العاطفة، المعتمد على (إرادة القوة) على مستوى الواقع الاجتماعي "والفكري" لذلك لم يفقد الحماسة لمن سبق سقراط من الأغريق، ممن استخدموا طرقا تربوية لإنشاء الأفراد المتفوقين، العظماء المختلفين عن "هؤلاء الذين يدينون بوجودهم للصدفة وحدها"  
2- المرحلة المسيحية التي هي شذوذ عن الحقيقة، وإن كانت تعبيرا عن "قوة" الضعفاء (وكثرتهم) لكنها لا تطلب السيطرة على العواطف بل تطلب وأدها، وعملت على اعتبار الدافع (الجنسي) شيئا قذرا  مع أنه بالإمكان تهذيبه وهزأ بفكرة الحياة الثانية، وعالم آخر حلم فيه المسيحيون، حيث يقتص فيه الضعيف من القوي 
3- عصر النهضة وهو مرحلة كادت فيها أخلاق السادة أن تعود إلى أصالتها اليونانية (ممثلة بالنبلاء) لولا حركة الإصلاح الديني التي حالت دون عودة أخلاق السادة.
4- الثورة الفرنسية وهي من أخطر المراحل التي سيطرت فيها أخلاق العبيد ، ورفعت شعار (الحرية، الأخاء، المساواة) وغيرها من قيم (متخلفة) في مفهوم نيتشه.
5- المرحلة النابليونية أمل الأقوياء وحلم السادة، تحقق على يد نابليون (القوي) الذي لا يعرف (الرحمة) أنه "مزيج مما هو غير إنساني، ومن فوق الإنساني والذي يؤكد "امتياز العدد القليل على الأغلبية"  ولكن بسقوطه، زال أخر شعاع من قيم السادة في أوربا 
6- القرن التاسع عشر يمثل انتصار لقيم العبيد، التي اعتبرها علة انهياره، وسبب أزماته، ولم تشفع معه حتى الأخلاق (البرجوازية) التي أنتقدها نيتشه  بشدة  واعتبر النضال من أجل "الأهداف الاجتماعية" رجوعا بالإنسان إلى الوراء  وعلى خلاف هيجل، قال نيتشه بفكرة الشعب المختار، وقصد به الشعب الذي "يلائم رجاله زمانهم فيأتون أضدادا لمن لا تتفق أحوالهم مع الزمان"  وترك ذلك للتأريخ .
3- علاقة التأريخ بالأخلاق
أشرنا إلى  أن نيتشه واحد من فلاسفة الأخلاق، وكانت فلسفته في مجملها انتقادية لقيم عصره، لقد رفض أن تكون (أوامر الله) أو أحكامه  منبع الأخلاق.  بل الطبيعة الإنسانية وغريزة حب السيطرة وإرادة القوة هي مكمن الأحكام التقويمية، لا العقل الإنساني .
لقد طرح "المصدر الإلهي" و "العقل الإنساني" من التأثير على الأخلاق وقرنها (بالأنانية) ونقل ذلك إلى تاريخ الفلسفة، بذات المنطق، منطق الصراع بين (أفكار) العبيد، فاعتبر ثورة سقراط الفلسفية، انتصار لقيم العبيد، على أفكار السادة و (أفكار) العبيد، فاعتبر ثورة سقراط الفلسفية انتصار لقيم العبيد على افكار الفلاسفة العظماء من السابقين عليه .
فهاجم هذا الفيلسوف ناعتا إياه بشتى نعوت الضعف والخور كما اعتبر المسيحية مصدرا لقوة العبيد، من هذا جاء تاريخ العالم بعد المسيحية، ممثلا لسيادة قيم العبيد وأخلاقهم، وما ظهور أخلاق السادة ألا عرضي .
ولم تكن هذه السيادة كافية لأقناع نيتشه بمشروعية أخلاق العبيد، بل اعتبر هذه الأخلاق غريبة عن الواقع، وتتعارض مع قوانين الطبيعة الحقيقية 
إن نيتشه في كل ذلك كان مدفوعا بمنطق (الصراع) الذي كان يحكم فلسفته التأريخية والأخلاقية، على أساس (إرادة القوة)، فانتقد الفلاسفة الذين ادعوا أنهم حسموا المسألة الأخلاقية لصالح العصر، دون أن يعلموا، أنهم فشلوا في ذلك فشلا ذريعا، بسبب قلة معلومتهم، عن الماضي (التاريخ) وعدم اهتمامهم به، ولما كانت المشكلات لا تبرز ألا بمقارنة كثير من النظم، بعضها مع بعض  جاءت تحليلاتهم مضطربة وناقصة.
إن كتابه "أصل نشأة الأخلاق"  تضمن تفصيلات لا بأس بها لمسألة الصراع بين الخير والشر، والحسن والرديء، بين السيد والعبد، تنسجم ومنطقه التاريخي العام، لكنه يضطرب في كتابه "أفول الأصنام" حينما اعتبر كلا من أخلاق السادة وأخلاق العبيد، نمطين من الأخلاق، كلا منهما جديرا بالأخر . وبذلك استعار من هيجل منطقه الجدلي التأريخي، حينما جمع المتناقضات ليوجد المركب، مع أن نيتشه لم يؤشر لنا معالم ذلك المركب، وهو القائل أن الخير الأعظم يكمن بالشر الأعظم. لكنه قصر (السوبر مان) على السادة دون العبيد، وألا لأصبح ذلك الإنسان السامي هو المزيج الأفضل لجدلية (السادة والعبيد).
خلاصة القول : أن نيتشه لم يعترف بالنظام الأخلاقي إطلاقا، لأنه (استبداد) "يناقض الطبيعة والعقل"  ولكونه ينبع من معين أخلاق العبيد أما (الأنانية) فهي وحدها التي ارتقت بالإنسان من حالة الحيوانية إلى الإنسانية ، وستكون سببا بارتقائه إلى الكمال (السوبر مان) وبذلك كان نيتشه أمينا على منهجه التطوري البيولوجي التاريخي الذي تحكمه قاعدة "البقاء للأقوى" لأنه "الأصلح" والتي فرضت ارتقاء الكائنات جيلا بعد جيل. كما أنها فرضت قيما جديدة. لتحقيق "غاية الحياة" و"هدف" الإنسانية ونعني به ولادة "الإنسان السامي – السوبرمان" من صلب الأرستقراطية  التي خصها فيلسوفنا بأحسن الأشياء وأفضل الامتيازات وطالب الأكثرية (الضعيفة) بفضيلة (القناعة)   
أما النظم الخلاقية، فلقد هاجمها نيتشه، ودعا إلى (هدمها) لأنها وصفة يعيش بها المرء مع عواطفه، ليس ألا، فهي : من ناحية الشكل تسير على نسق غير معلوم كما أنها غير معقولة لأنها موجهة للجميع، فهي إذن تعميم ومن المستحيل أن إخضاع الناس إلى قوالبه مثلما من المستحيل أن يحيا القديس أوغسطين حياة أرسطو فرفض على هذا الاعتبار قيم "الشفقة" و "المساواة" و "المحبة" و "التعاون" و "العطف" و "الرحمة" …الخ. لأنها قيود اخترعها الضعفاء لتقييد الأقوياء كما رفض نيتشه كل إرث اجتماعي وتراث خلقي، ليعرض على الناس بضاعته (الأخلاقية) المتمثلة بقيم العصر الذي حلم به، وعاشه في داخله فدعا إلى المبادئ التالية:
1- مبدأ "الهدم" لكل ما هو قديم   
2- مبدأ "الحرية الفردية" ، وتحطيم القيود، ليكون الإنسان القوي فوق كل القيم والقوانين والناس والأخلاق .
3- مبدأ الفضيلة القصوى (الألم) والشعور بالخطر الدائم والتحفز والمجازفة .
4- مبدأ (الانتحار) والموت الاختياري، يمارسه الإنسان حينما يشعر أن النفس توشك على الذبول، والخمول، وفقدانها لقدرة الإبداع والخلق والإنتاج  يحثه مبدأ (عودة الحياة) وتكرارها مستقبلا.
5- مبدأ "الدورة" والعود الأبدي لحيواة مستقبلية، بهدف تجاوز رهبة الموت، فزرادشت يدعو إلى ذلك اليوم الذي تعود فيه من جديد سلسلة العلل التي أنا مشتبك فيها، وستخلق من جديد، وكأنه بذلك حقق انتصارا على مسألة "الموت" التي فشل جل المفكرين في حسمه لصالح (خلود الإنسان)  في عالمنا الأرضي.
6- مبدأ "الغائية"  و "الهدفية" في الحياة، قصد نيتشه من ورائه، السمو بالحياة نحو درجة أفضل، وبالإنسانية نحو نوع أرقى، ولا وجود غيرها، وإرادة الحياة، هي مقياس القيم في الحياة بسبب كونها، كفاحا لا هوادة فيه ولا رفق .
7- مبدأ "موت الآلهة"  ويمثل قمة تطرف هذا الفيلسوف، لأنه بذلك نسخ كل ما دعت إليه العقائد السماوية والأرضية : قصد من ورائه تهديم الجوهر الذي ترتكز عليه الأخلاق والطبيعة والمجتمع، مسوغا ينسجم ودعوته للعود الأبدي وتكرار المراحل.
إن الفلسفة الخلقية لنيتشه، عصارة"إنفجارية" حفزت عليها ظروفه النفسية والاجتماعية وضجيج هائل من الأراء والأقوال والادعاءات كانت تزخر بهاسوق الفكر، فحاول تجاوزها بالحديث عن الإنسان والكون بمنطق التطور العشوائي اللاواعي، فالإنسان عنده وتر مشدود بين الحيوان والإنسان الأعلى، وتر على هاوية فعلية إذن بهذا المنطق، أن يتشبث من أجل تحقيق النقلة النوعية، لا في الإطار البيولوجي بل وكذلك في حيز الأخلاق وفق المعايير التالية: 
(الخير) هو كل ما يرفع في الإنسان الشعور بالقوة وإرادة القوة  أما (السعادة) فهي الشعور بأن القوة تنمو وتتزايد باستمرار و (الحرب) طمأنينة الإنسان، والسلم حتفه (المهارة) درجة تسمو بنا نحو "الذات" بعيدا عن فضائل (الضعف). و (الشفقة) رذيلة من أشد الرذائل، لأنها نقيض لمبدأ إرادة القوة وجوهر الوجود. أما (الصراحة) فهي صفة تنم عن (الشجاعة) يناقضها "الضعف والعجز" كصفات مرفوضة، يتوجب علينا تطهير المجتمع منها حبا بالإنسانية و(المخاطرة) توتر دائم يشد الإنسان إلى قدرة السامي ويدلل على "الحيوية" باعتبارها صفة محببة من القوى لتجاوز (الخمول)، أما (العود الأبدي) فهو إيمان يساعدنا في السيطرة على الزمن ويشعرنا بقدر من الحرية. أن (الإيمان) مقولة لا تتحقق في أخلاق نيتشه ألا بموت الإله، ليكون الإنسان (السوبرمان) هو البديل.
أما (الشرف) فكلمة يكتنفها الغموض في قاموس الأقوياء، وتدلل على المسكنة والقذارة والغرور. و(الذكاء) قدر معقول يمتلكه الإنسان ليتكيف مع طوحاته. وليس هو كل شئ، بل يساهم مع الجسم بنصيب متساو في استيعاب الظواهر الخارجية.
و(العدل) حجر يقدح شررا ولا يشتعل. و(الراحة) مستنقع يشجع على الثرثرة – أما (المرأة) فمخلوق يوجب الحذر، لكنها جديرة بالاحترام لأنها ستساهم في ولادة السوبرمان. لا تحتاج إلى (العفة) لأنها في مفهوم نيتشه "أمر قريب من الهذيان" و(المواطنة) عنده تتلاشى أمام عالمية السوبرمان، الذي سنحققه (بالأنانية)، كما تحققت الإنسانية من الحيوانية. 
و(التأريخية) معناها أن يحيا الإنسان تاريخ الإنسانية بأسره من جديد وكأنه تأريخيه، فيجد أمامه ومن ورائه أفقا واسعا مكونا من آلاف السنين.. يشعر أنه الوارث لكل ما تناثر فيها من نبل روحي يحمله مسؤولية كبرى  وهذا ما حاول نيتشه أن يفعله.
الخلاصة :
  لقد سعى نيتشه، في فلسفته التاريخية والخلقية، إلى إيجاد الإنسان (النموذج) المتطور فيزيولوجيا، باعتباره المثال الرومنطيقي الفني (السوبرمان) المقابل للحالة التي كان عليها هذا الفيلسوف. مستخدما القوانين الطبيعية في تفسيره لحركة الإنسان، مما أوصله إلى (جبرية) حكمت على الكون وما فيه بالعشوائية   والعمى والتقدم لديه لا يتم إلا باتجاه قوة أعظم، تعتبر جوهر الوجود أنها (إرادة القوة، إرادة الحياة) مستعيرا من الرواقيين نظريتهم في تحرك الحوادث من خلال الزمن كله في سلسلة الدوائر المكررة  والتي تذكرنا بوحدة الكون والدورات الفلكية التي وجدناها في الفكر الرافدي القديم.
إن نيتشه مدفوعا وراء "نظرته الكونية" المؤكدة على سمو الحياة كان ينتقد الفلسفة والدين والأخلاق لأنها لا تحقق "فردية الإنسان" تلك الفردية التي يحث عليها القانون الطبيعي   بعيدا عن قيود الأخلاق الاجتماعية التي اعتبرها هي والأهداف الاجتماعية حالة نكوص في حياة الإنسان  لذلك هاجم الديمقراطية على الصعيد السياسي، لأنها تقف في طريق أطماع الوحوش الأرستقراطية الضارية . أن الركون إلى السلام سيؤدي حتما إلى التراجع والانشغال بالملاهي   لذلك فالحرب وحدها – وبكل أشكالها – هي التي تحفز الإنسان وتديم توتره من أجل التغيير والتفوق.
بعد أن عرضنا – باختصار – لموقف كل من هيجل ونيتشه في "فلسفة التأريخ" المحكومة بالجدلية المنطقية الهيجلية والأخلاقية التطورية لنيتشه ومن أجل أن تتكامل خطوط البحث نستخلص النتائج التالية :
أولا : دياليكتيك هيجل في نطاق الفكر مثله تاريخ الفلسفة والعكس على فلسفة التاريخ، أما عند نيتشه، فعكس الصراع بين السادة والعبيد على الفلسفة أيضا، واعتبر سقراط ممثلا لقيم العبيد، على خلاف هيجل الذي فضله على السيد المسيح.
ثانيا : الوعي : عند هيجل هو مقياس التطور الذي يأخذ منحى صوفيا "اتحاديا" ووحدة وجود كونية، على خلاف مقياس "القوة" الذي يحكم الصراع والتطور عند نيتشه. فالتطور الواعي لا  الأعمى هو الذي يحكم العالم.  لقد اعتبر هيجل أن وضوح الوعي، يفرضه إدراك المطلق في (الجدل) فيكون سببا للتطور المقترن بالحرية، أما نيتشه فاعتبر الأنانية، هي التي رفعت الإنسان من الحيوانية، وستوصله إلى (الكمال)  الأعلى، مقترنة بإرادة القوة.  إن النزعة الصوفية واضحة المعالم لدى كلا الفيلسوفين، فعند هيجل تشخصت (بوحدة الوجود الكونية) وعند نيتشه في حديثه عن المعنى الإنساني الذي يشمل العالم أجمع، وذلك ما تلخص بدعوته إلى الإنسان السامي الذي يشمل التلقائية لا العقل المجرد ولقد ظهر لنا تصوفه جليا في "هكذا تكلم زرادشت" لكنه تصوف معلق بالأرض ممجدا للحياة الحسية.
ثالثا : الحتمية : عند هيجل تمثلت في حكم الظروف للمرحلة التاريخيةالواحدة التي تكون بالضرورة سببا في ظهور المرحلة التاريخية اللاحقة. أما عند نيتشه فتشمل كل المراحل التاريخية التي تحكمها قوانين متشابهة، تلك القوانين التي رفضها هيجل كما رفض فكرة (الدور) و (العود الأبدي) التي وجدناها عند نيتشه.
رابعا : الغائية (الهدفية) سمة جلية في حركة المطلق عبر مسيرة التاريخ إلى أن يتحقق بالفعل : عند هيجل أما نيتشه، فسيرة التاريخ تنتهي بانبثاق (السوبرمان) وانتهاء الصراع بين الطبقات. وكلا الفيلسوفين، واجها صعوبات في التوفيق بين (حركة) التاريخ و(توقفه). لقد واجه هيجل صعوبة التوفيق بين قوله بديناميكية التطور الجدلي، وجبرية المنهج المنطقي الذي يصل إلى نقطة النهاية في (المطلق) ومثل ذلك يقال عن قوانين الصراع الطبيعية التي تنتهي بالسوبرمان. عند نيتشه. 
خامسا : التفاؤلية : يتجه التاريخ الهيجلي محكوما بمنطقه وجهه تفاؤلية تسمو دائما نحو المطلق، على خلاف نيتشه الذي يتشائم في تحريه لتاريخ الصراع. ولقيم عصره، مع أن فكرة (السوبرمان) تبقى ذلك العزاء الذي حاول به هذا الفيلسوف أن يحله بديلا عن (الإله).
سادسا : المثالية الخالصة : نلحظ في فلسفة هيجل منطقا مثاليا خالصا حافظ عليه هذا الفيلسوف حتى في تفسيره للتاريخ على خلاف نيتشه الذي سحب القوانين الطبيعية (البيولوجية) التي تحكم عالم الأحياء، كقانون الإنتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى، والصراع من أجل البقاء، وغيرها من قوانين قالت بها المدرسة الدارونية التطورية، ليطبقها على المجتمع الإنساني دون حساب للعقلانية التي ميزت الإنسان عن غيره من الكائنات، بمعنى أن نيتشه لم يدرك مسألة (الوعي) التي اعتبر هيجل تطورها، علامة تقدم خلاق يتجه نحو أفاق رحبة، تنتهي إلى مثالية (الاتحاد بالمطلق).
لقد أخلص هيجل إلى مثالية حتى نهايتها، أما نيتشه فبقى متذبذبا بين حسية فجة ومثالية متطرفة، فلم ينحدر هيجل إلى التطورية الميكانيكية التي سقط فيها نيتشه. بل ميز بين القوانين البيولوجية، وقوانين مجتمع الإنسان. لذلك تحدث عن الطبيعة العضوية باعتبارها تقع خارج التاريخ، لأنها مجرد تكرار وترتيب آلي وهذا ما نظر إليه نيتشه معكوسا، حيث قال "بالعود الأبدي" وسحب المجتمع الإنساني إلى حظيرة المجتمع "البيولوجي" ليتلاشى فيه، بمعنى أنه جعل الأنسان يحتمي بعالم الأحياء الدنيا، ثم يتكلم عن (السوبرمان).
سابعا : دور العقل : العقل في التطور التاريخي الإيجابي محور (الجدل) عند هيجل، أما نيتشه فالدافع "إرادة القوة" المقترنة بالحرية الفردية للسيد الأرستقراطي.   إن هيجل لم يسقط الحرية من حسابه في تطور وعي الإنسان كما لم يسقط الانفعالات الشخصية، لكنه اشترط تهذيبا على قاعدة التوفيق بين (الأنا والنحن) العقلانية.
ثامنا : نشأة الحضارات : عند هيجل خاضعة لمنطق (جدلي ) علاماته إنبثاق الوعي وتجليه في الطبيعة، على شكل نشاطات تنسجم والروح الكلية (المطلقة) متجسدة على شكل جزئيات لا تخرج عن حتمية المنطق، أما عند نيتشه، فتنشأ الحضارات بفضل جهود فردية قامت بها "حيوانات شقراء مفترسة" هي مجموعة الأرستقراطيين السادة. 
تاسعا : فكرة الصراع عند هيجل تحكم كل شئ، لكنها تنتهي إلى التوافق في (المركب) والتي استعارها نيتشه حيث طبقها على التاريخ ووصل إلى ذوات الغايات النهائية في حركة التاريخ (السوبرمان) وانتهاء الصراع حيث كان المنطق الجبري وسيلة الأول والقوانين الطبيعية أداة الثاني.
عاشرا : فكرة الأدوار (الزمنية) خيط فكري يمتد من بلاد وادي الرافدين وقولهم في "الشر" وخصوصا عند "هرمس البابلي" ثم انتقلت إلى هيراقليطس في "السنة الكبرى".
ثم هيجل في (الأدوار اللانهائية) واخيرا نيتشه في "العود الأبدي" 
الحادي عشر : العالم والحياة : وجدنا هيجل لا يؤمن ألا بحياة واحدة، وعالم وحيد ! أما نيتشه فقال بتكرار الحيواة (بالعود الأبدي) لكنه رفض وجود عالم أخر غير عالمنا.
الثاني عشر : مراحل التاريخ، التي لا تخلو من الصراع:
عند هيجل هي ثلاث، (الفرد) الحر الحاكم في الممالك الأسيوية ، والقلة الحاكمة (الحرة) في الجمهوريات اليونانية والرومانية و"الأمة الجرمانية" ذات الثقافة المنتقاة من المسيحية والفلسفة. أما جدلية الصراع بين السادة والعبيد عند نيتشه فتتضمن تفصيلا أكثر، في مراحل "القوة" و "الكثرة" حيث بدأت بالأولى لتنتهي في القرن التاسع عشر  بالثانية مع أنه وعد بالسوبرمان الذي يكمن في رحم الأمة الجرمانية.
وفي تحرينا الدقيق لمسيرة ذلك التاريخ، نجد أن هيجل يعتبر أن تاريخ العالم ما هو ألا صراع وتناقضات واصطدامات،  أما فترات السعادة والتناغم وغياب التناقضات فليست فترات تاريخية. على خلاف نيتشه الذي تشخصت تشاؤميته في القول بسيطرة العبيد على معظم التاريخ.
الثالث عشر : النشاط الإنساني : عند هيجل يتم داخل حركة التاريخ، وجدلية العقل والمادة، وفق قوانين لا يمكن الافلات منها، والأهداف الخاصة للشخصيات التاريخية . تكمن في إدراكها لإرادة الروح ، وانسجامها مع قوانين الدولة والمجتمع الكوني، أما عند نيتشه فتعتمد على أساس (الأنانية) و (القوة) والبطش فالسوبرمان، فوق كل القيم والقوانين والناس والأخلاق والمؤسسات، أنه إنسان فوضوي، يجسد أخلاق الأرستقراطيين بكل مواصفاتها الاستعلائية. وهذا يناقض ما قاله نيتشه حول القوانين الطبيعية وضرورة الأنقياد لها.
ويبدو لنا في نهاية المطاف أتفاق في الموقف بين كلا الفيلسوفين، حينما أكد هيجل على توافق سلوك الإنسان مع قوانين العقل المطلق، ومع الطبيعة عند نيشه وبذلك وقعا في فخ الجبرية، دون أن يجدي – اشتراط الحرية – نفعا فالمطلوب طاعة الأخلاق الموضوعية في الدولة عند هيجل وتحقيق الفردية المتزمتة (الأنانية) عند نيتشه، مقترنة ب"خضوع" الأكثرية.
الرابع عشر : اهمال تراث الشرق الحضاري : حيث وجدنا كلا من هيجل ونيتشه يبدأ في حديثه عن حضارة اليونان بما يوحي وكأن الأمم السابقة عليهم كانت متخلفة، وتاريخها عقيما وبذلك أسقطوا منجزات حضارية في منتهى الأهمية لو أحاطا بها نظرة "أوربية" متعصبة وعنصرية. وأن أعلن نيتشه تجاوز أوربية هيجل إلى "عالمية" السوبرمان، لكن ذلك لن يغير من المحصلة النهائية لمجمل النظرتين.
الخامس عشر : الموقف من المسيحية كفكر ومرحلة : المسيحية النقية عند هيجل المقترنة بالصواب مع ما جاء به الفلاسفة تمثل لنا "الثقافة الجرمانية" الحقيقية الصالحة لمجتمعه، المجلية لوعي أوسع والمجسدة للروح الكلية. كما تجسد في ثالوثها وطبيعة السيد المسيح – الجدل الهيجلي بصورة واضحة أما عند نيتشه فالمسيحية مرحلة سقوط لأنها تمثل أخلاق العبيد هاجمها، كما هاجم السيد المسيح.
أن النقطة المشتركة بين كلا الفيلسوفين هي في مهاجمة المسيحية كما عرضها الكهنوت، وما تركته من تطبيقات تحكمت فيها مشيئة الأباء من أجل كسب ود الحكام. 
السادس عشر : الموقف من نابليون : مع أن الفيلسوفين يفيضان أخلاصا للأمم الجرمانية، وجدناهما يشتركان في تبجيل نابليون، لكن هيجل نظر إليه كرجل تاريخ من الطراز الأول، واع لمرحلته، مدرك للمهمة التي فوضتها الفكرة المطلقة إليه، أما نيتشه فنظر إليه على أنه قوي لا يعرف الرحمة.
السابع عشر : المسألة القومية : حظيت هذه المسألة باهتمام متفاوت من كلا الفيلسوفين، وبين أيدينا ما يؤيد شعورهما بالأنتماء الجرماني فقال هيجل "بالثقافة الجرمانية" علاج أمراض العصر الهيجلي، لكونها متفقة مع اختبارات (الروح) التي كانت ترفض بقاء النظام الأقطاعي في ألمانيا، ووجدت في نابليون، منفذا لهذه الرغبة، أما نيتشه فاعتبر "الأمم الجرمانية" واحدة من تطور التاريخ الإنساني وانتصار قيم السادة، التي كادت تنهض مجددا – بعد أن هددتها قيم العبيد في الثورة الفرنسية – على يد نابليون، الذي كان هو الأخر، علامة من علامات قيم السادة في أوربا، ولا نجد أي مبرر للملاحظة التي أوردها نيتشه في ملحق "هكذا تكلم زرادشت" من أنه كان يتمنى لو كتب "إرادة القوة" بالفرنسية لا الألمانية لكي لا يؤدي إلى أي طموح دولي ألماني، خصوصا والأمة قد حققت وحدتها. مع كل ذلك تبقى أطروحات "هيجل حافزا لطموح دولي، ألماني حاول بسمارك ثم هتلر أن يكونا بعض علاماته.
الثامن عشر : فكرة الشعب المختار : عند هيجل عبارة عن عملية تزييف للوثائق التاريخية، أما عند نيتشه فهي معادلة تتحقق بموجبها الملائمة بين الرجال وزمانهم، ورفض من يفشل في تحقيق تلك الملائمة من الأخرين.

سارتر بين الوجوديين