الثلاثاء، 31 يوليو 2018

جان بول سارتر والسينما


طه حسين


تساءل  الكاتب الفرنسى المعروف جان بول سارتر عن الأدب ما هو وماذا ينبغى أن يكون؟ ودفعه هذا التساؤل إلى أن يضع كتابا قيما لم يظهر بعد فى مجلد ،ولكنه نشر تفاريق فى مجلة "العصور الحديثة" ، وقد عرضنا لهذا البحث بشىء من النقد المفصل فى عدد يونيو الماضى من هذه المجلة . والفكرة التى دار حولها هذا الكتاب القيم هى مقدار ما يكون بين وبين قرأئه من الاتصال من جهة، ومقدار ما ينبغى أن يحتمل الأديب من تبعة بحكم هذا الاتصال بينه وبين القراء ،ومشاركته لهم فيما يعرض من المشكلات تاتلف منها الحياة الاجتماعية مهما تكن طبيعة هذه المشكلات ،ومن دون تفريق بين ما يتصل منها بالسياسة أو بالنظام الاجتماعى ،أو بأى لون من هذه الالوان التى تؤثر فى حياة الناس ، والتى يجب على الاديب أن يشارك فيها ، ويحتمل نصيبه من تبعاتها  كما يجب على الادب يصورها ويصور المشاركة فيها ويصور الوسائل المختلفة لتدبيرها والخروج من ضائقتها واستكشاف ما يمكن استكشافه من الحلول لأزماتها مهما تختلف فى الطبيعة والصورة والأثر. وهذه الفكرة هى ما يسميه جان بول سارتر  التزام الأدب ،وهى ليست اكثر من ان الأديب يجب أن يعيش مع معاصريه فيشقى بشقائهم ويسعد بسعادتهم ،ويواجه مشكلات الحياة كما يواجهونها ،ويصور هذا كله فى أدبه تصويرا دقيقا خصبا مجديا دون أن ينفصل عن حياة معاصرة او يعتزلهم ليعيش فى برجه العاجى ، وينتج فى هذا البرج أدبا لا يتصل بألام الناس وأمالهم وما يعرض لهم من بؤس ونعيم.

وقد استعرض جان بول سارتر فى كتابه هذا تاريخ الأدب الفرنسى فى عصوره المختلفة، وبين مقدار ما كان بين الأدباء وقرائهم من الصلات والاشتراك فى احتمال التبعات على اختلاف العصور وتباين الظروف . ووصل من هذا الاستعراض إلى نتائج رائعة فى تاريخ الأدب الفرنسى ليس هنا موضع الحديث عنها . ولكنه لاحظ الحياة الحديثة ،ولا سيما فى القرن التاسع عشر وفى أوائل هذا القرن  قد انتهى بالأدب إلى أن يكون لونا من ألوان الترف يترفع عن الحياة اليومية العاملة ليعنى بألوان من هذه الحياة الفنية المترفة التى لا تتاح إلا لطبقات ضيقة من الناس .ثم حاول أن يرسم للأديب المعاصر ولنفسه وأصحابه بنوع خاص برنامجا يحققون به الاتصال بينهم وبين قرائهم، ويشاركونهم به فى مواجهة ما تمتلىء به الحياة المعاصرة من المشكلات التى تزداد عنفا وتعقدا من يوم إلى يوم وقد اضطره هذا إلى أن يستقصى مشكلات الحياة الاجتماعية فى هذه الأيام، وينتقد المذاهب السياسية الاجتماعية التى تحاول حل هذه المشكلات، ويختار لنفسه ولأصحابه طريقا وسطا بين مذهب الشيوعيين الذين يلغون حرية الفرد،ومذهب البورجوازيين الذين يبيحون هذه الحرية لفريق من الناس دون فريق . وأراد أن يصل إلى نوع من النظام يكفل للفرد حريته الكاملة  ، ويكفل للجماعة عدلا شاملا ، ويكفل للأديب حريته الكاملة فى التفكير و التصوير  والتعبير دون أن يخضع لما تفرضه الأحزاب على اعضائها من قيود وأغلال تضطرهم إلى أن يفكروا ويصورا ويعبروا كما يريد نظام الحزب ،لا كما تريد الفرد ولا كما تريد طبيعة الأشياء وحقائق الحياة .

وقد استعرض جان بول سارتر وسائل الاتصال بين الاديب المنتج والجمهور المستهلك ، فلاحظ كما يلاحظ غيره من الناس أن العصر الحديث قد ابتكر لهذا الاتصال وسائل  لم تكن معروفه من قبل،وأن هذه الوسائل قد طغت واسرفت فى الطغيان على الوسائل القديمة . فالصحف والمجلات أكثر اتصالا  بالجماعات وتغلغلا بين طبقاتها من الكتب . والراديو أكثر اتصالا بالجماعات وتغلغلا بين طبقاتها من الصحف والمجلات فضلا عن الكبت، والسينما أكثر دعاء وأشد استهواء للجماعات على اختلاف طبقاتها من التمثيل. واذن فما ينبغى للأديب الذى يقدر الحياة الاجتماعية ويشارك فيها وفى احتمال تبعاتها أن يهمل هذه الوسائل المستحدثة، ويفرغ لاستخدام الوسائل القديمة التى  لم تفقد قيمتها وخطرها، ولا ينظر أن تفقد قيمتها وخطرها، ولكنها لا تستطيع أن تظفر من الشيوع والشمول والتغلغل فى الطبقات المختلفة  المتفاوتة بمثل ما تظفر به الوسائل المستحدثة. فستؤلف الكتب، وسيقرؤها القراء، وستنشأ المسرحيات وسيشهدها النظارة، ولكن الصحف والراديو والسينما ستكون أكثر انتشارا وأشد اتصالا بالجماعات وأعظم تغلغلا فى طبقاتها  من الكتب والمسرحيات.

وقد لاحظ جان بول سارتر فى شىء من الدعابة أن مسرحية قصيرة من مسرحياته حظر تمثيلها فى بريطانيا العظمى. ولكنها أذيعت فى الرديو البريطاني ، فكانت النتيجة أن الذين استمعوا لها من الانجليز كانوا أكثر مرات كثيرة من الذين كان يمكن أن يشهدوها فى ملعب التمثيل . على أن الرقابة البريطانية قد فطنت أخر الأمر لهذه الملاحظة، فأباحت عرض هذه القصة فى الملعب. والمهم هو أن جان بول سارتر يريد بلا ريب أن يساير الحياة الحديثة، وأن يتصل بقرائه أو بمستهلكيه من طريق الوسائل المختلفة التى تستحدث  لهذا الاتصال.وقد سلك هو هذه الطريق؛ فهو يؤلف الكتب على اختلافها، يؤلف الكتب التى يقصد بها إلى الخاصة ليتحدث إليهم في الفلسفة الوجودية أو في هذا الموضوع أو ذاك من موضوعات الدراسة الأدبية.ويؤلف الكتب التى يتجه  فيها الى الجماعات الضخمة ليذيع فيها ما يريد أن يذيعه من تصوره للمشكلات وتصويره لها ومذهبه في حلها لا، يسلك فى ذلك طريق القصص الطويل والقصير .

وهو يصدر مجلته ليتجه فيها مع اعوانه إلى جماعات من القراء قد تؤثر الدراسات الميسرة. التى لا تنحرف مع ذلك عن مناهج البحث الدقيق ،  على الكتب الفلسفية الجافة وعلى القصص السهل اليسير. ثم هو بعد ذلك ينسى المسرحيات التى يتجه فيها ألى جماعات تحب أن تأتيها متعة المعرفة والفن لا من طريق القراءة وحدها ولكن من طريق القراءة والنظر لحركات الممثلين والاستماع حين يتحاورون . ثم هو لا يكره أن يتحدث إلى المستمعين فى الراديو أو ينشىء لهم من الأثار ما يتلى عليهم من طريق الراديو ليستمعوا له غير مقبلين عليه كل الاقبال ولا متوفرين له كل التوفر ، ولا معرضين عند كل الاعراض .

ولم  يبق من هذه الوسائل المستحدثة إلا السينما  فقد حاول جان بول سارتر أن يتخذ هذه الوسيلة ليتصل بالجماعات الضخمة المتباينة فى البلاد المختلفة المتتالية فى وقت واحد. وواضح جدا أن الكتاب والصحيفة والمجلة لا تقرؤها الجماهير مجتمعة ، وإنما يخلو فيها القارىء إلى نفسه  وإلى الأديب الذى يقرأ  كتابه أو مقاله فى الصحيفة أو فصله فى المجلة. وواضح كذلك أن المسرحية لا تعرض فى غير ملعب واحد فى المدينة الواحدة ، ولايشهدها من أجل ذلك إلا جمهور من النظارة مهما يكن ضخما فهو محدود . والذين يمثلون المسرحية أو ينشئون أدوارها ، كما يقول اصحاب التمثيل ، مضطرون إذا نجحت المسرحية أن ينفقوا فى تمثلها الأشهر ليشهد اكبر عدد ممكن من النظارة وأن ينتقلو بها بعد ذلك فى كثير من المدن بل فى كثير من البلاد ، ليظهروا عليها أضخم عدد ممكن من الناس ، وفى ذلك من الجهد  والمشقة والعسر ما فيه ثم هو ذلك لا يبلغ من أذاعة المسرحية ما يريد صاحبها، وما يريد ممثلوها، وما يريد الناس انفسهم .أما السينما فهي تملك من الوسائل التيسير ما لا تملكه الكتب ولا الصحف ولا الراديو ولا التمثيل. فالقصة الواحدة إذ أعدت للعرض تستطيع بعد إعدادها أن تغزو الأرض كلها فى وقت واحد ، وأن تشهدها جماعات النظارة فى جميع اقطار الأرض فى غير مشقة يحتملها الكاتب أو المخرج أو الممثل ، شأنها فى ذلك شأن الكتاب المطبوع ، ولكنها تتحدث إلى الجماعات حين يتحدث الكتاب إلى الفرد ثم هى تتحدث إلى الجماعات من طريق العين ومن طريق الأذن حين يتحدث الكتاب من طريق العين أو من طريق الأذن وحدها . ثم هى تستعين على الحديث من طريق العين والأذن بأشياء لا يستطيع الكتاب أن يستعين بها لأنه لا يستطيع أن يحققها  . ففيها الحركة وفيها اختلاف المناظر ، وفيها ما تمتاز به المناظر من الروحه والقدرة على التأثير المباشر من طريق الأشياء، لا من طريق الألفاظ التى تدل عليها بالرمز الذى يخطىء  حينا ويصيب  حينا آخر.

وقد تصحبها الموسيقى فتستأثر بملكات النظرة. كلها فالأديب الذى لا يرى الأدب ترفا ولا فكاهة ولا تلهية وإنما يراه جدا من الجد ،يراه مشاركة فى الحياة ونهوضا باعبائها واحتمالا لتبعاتها ،لا ينبغى له أن يهمل السينما كما لا ينبغى  له أن يهمل أية وسيلة تمكنه من أن يتصل بالجماعات ويؤثر فيها فيوجهها إلى ما يريد أن يوجهها أليه ، ويصدها عنه ويغريها بما يحب أن يغريها به، ويزهدها فيما يحب أن يزهدها فيه . والاديب من بعد ذلك أو من قبل  ذلك مضطر إلى أن يصطنع هذه الوسائل ليحمى نفسه من الفناء وليحمى  نفوس الجماعات من الفساد، فهذه الوسائل المستحدثة قد وجدت وأصبحت من ضروريات الحياة الحديثة. فليس من سبيل إلى الغاء الصحف ولا إلى اسكات الراديو ، ولا إلى تحريم السينما. فالأديب بين اثنتين :إنما أن يغزو هذه الوسائل ويتخذها ادوات لاذاعة الأدب وما ويحمل إلى النفوس من خير ورشد وإصلاح ، وإما أن يهمل هذه الوسائل فيقضى على أدبه بالتزام الحدود التى لا يتجاوزها الكتاب، ويعرض نفوس الجماعات لشر عظيم تحمله إليها الصحف والراديو والسينما التى ستكون أداة لقوم ليس  لهم حظ من أدب ولا من  فلسفة ولا من فن ولا من فقه بالحياة ومشكلاتها، وإنما همهم كله أن يلهو الجماعات بما يذيعون فيها من سخف رخيص ، وان يستزلو بما ينشرون فيها من دعوة الىأشياء  لعلها لا تلائم ذوقا  ولا منفعة ولا رقيا  ولا ميلا إلى الاصلاح . والخلاصة أن الأديب إذا آمن بأنه فرد من الجماعة التى يعيش فيها ، ويشاركها فى حياتها، ويتضامن معها فى النهوض باعباء هذه الحياة  ، و يحتمل معها تبعات الجهاد مهما  تختلف ، فليس له بد من أن يصطنع  كل هذه الوسائل، قديمها وحديثها ، وما يمكن أن يستحدث منها فى  مستقبل  الأيام ، ليحقق اتصاله بالجماعات ويحقق اتصال الجماعات به فى السينما دون أن تكون هذه القصص مشتقة من حياتهم مصورة ادق تصوير وأصدق لما يجدون من ألم ولذة ، وما يحسون من امل ويأس ، وما يثور فى قلوبهم من عاطفة وشعور . فليست الحياة لهوا ولا لعبا ، وإنما الحيا ة  جهاد يحتاج الناس فى أثنائه إلى شىء من اللهو وفنون من التسلية ، ليستعينوا بذلك على احتمال الحياة والمضى فى جهادهم فى غير سأم او ملل أو فتور .  واذن فيجب ان يلتزم السينما كما يلتزم الادب، اى يجب ان يعرض السينما على النظارة حياتهم ، وما يملؤها من المشكلات وما يمكن ان يواجهوا به هذه المشكلات من حزم وعزم ، ومن رفق واناة، ومن صبر واحتمال ومن حيلة، وتصرف وما يمكن ان يجدوا لهذه المشكلات من حلول تريحهم منها ليستقبلوا غيرها . فحياة الناس لم تخل ولا يمكن ان تخلو من المشكلات، ولا سيما حين يكون لهؤلاء الناس حظ من رقى العقل ، وذكاء القلب ودقة الحس وقوة الضمير .

وقد حاول جان بول سارتر ، اصطناع السينما لاذاعة ادبه اول ما حاول بعرض قصته تلك القصيرة التى حظرت فى بريطانيا العظمى واذيعت فى الراديو ، وهى القصة التى عنوانها:Hus Clos: والتى استطيع ان اسميها من " وراء السور ". فالقصة تعرض امر نفر من الناس دفعوا بعد الموت الى الجحيم ، وضرب من دونهم بسور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب . فى جحيمهم هذا الذى دفعوا اليه نار تتلظى، ولا سعير تصهر فيه الجلود وتذاب فيه الاجسام، بل ليس فيه الم مادى ما ، وانما هم مدفعون الى حجرة من الحجرات التى الفوها فى حياتهم الدنيا ، وهم مكرهون على ان يقيموا فى هذه الحجرة الى اخر الابد ، ان كان للابد أخر . وهم يصلون متتابعين الى حجرتهم هذه، لا يعرفون انهم موتى، وانما يخيل الى كل واحد منهم انه قد اقبل على فندق من الفنادق ، وقاده الخادم الى حجرة من حجراته . فهم يتفقدون فى هذه الحجرة مرافقهم التى الفوها فى الحياة الدنيا ، وهم يتبيينون شيئا فشيئا انهم قد ماتوا، وانهم يلقون فى هذه الحجرة جزاء ما قدموا بين ايديهم من الاعمال. وليس هذا الجزاء ألما ماديا ، كما قدمت وانما هو الم معنوى يتبينون احساسهم له شيئا فشيئا. يتبنون ذلك حين يتعرف الى بعض ، وحين يذكر كل واحد منهم لنفسه اولا ولرفاقه بعد ذلك ، ما قدم من اعمال منكرة وما اقترف من آثام استحق عليها العقاب ، ثم حين يكون بينهم الاختلاف والتناكر . وحين يستبين كل واحد منهم انه لا يستطيع ان يعاشر رفاقه راضيا عن عشرتهم ، ولا يستطيع ان يفلت من هذه المعاشرة ؛ فهو مكره اذن على معاشرة لا يطيقها ولا يطمئن اليها، ولا يستطيع ان يخلص منها الا اذا عكف على نفسه واهمل طائعا او كارها من حوله من الرفاق . وسواء اراد او لم يرد ، فهو يرى هؤلاء الرفاق ويتاذى بمنظرهم ، وهو يسمعهم ويتاذى بما يسمع منهم ، وهو يحاول ان يفر منهم الى نفسه ، فلا يرى فى نفسه الا نكرا . وهو لا يستطيع ان ينسى هذا النكر الذى يراه فى نفسه ؛ لان اعماله كلها تعرض عليه وآثامه كلها تمر امامه من وراء هذه الاسوار ؛ فيتحدث عنها فيؤذيه حديثه ويؤذى رفقاه ويسكت عنها فيؤذيه سكوته ويؤذى رفاقه؛ لان كل واحد منهم فى حاجة الى ان يشغل نفسه عن نفسه، ولان كل واحد منهم يؤذيه ان يشغل نفسه عن نفسه ، كما يؤذيه ما يحاول من الفراغ لنفسه والانصراف اليها عمن حوله من الناس . فكل واحد منهم اذن انما يحمل جحيمه فى نفسه وليست جهنم شيئا منفصلا عن الانسان ، وانما هى شئ مستقر فى ضميره حيا او ميتا . وكل ما فى الامر ان الانسان فى حياته الاولى قد يخدع ضميره ، او يخدع عن ضميره بما يكسب من عمل ، وبمن يعاشر من الناس وبما يعرض له من المشكلات التى يشغله بعضها عن بعض ومن اللذات التى قد تشغله عن الامه وقتا يقصر او يطول . فاما بعد الموت فليس يشغله عن نفسه شئ ، وليس يصرفه عن الامه وآثامه شئ . وهو يعلم حق العلم انه موقوف على هذه الالام والاثام ، وان هذه الالام والاثام موقوفة عليه ابد الاباد او ابد الابدين . وقد يخطر لك ان هذه الفكرة الفلسفية المجردة قد تكون فى نفسها قيمة عظيمة الخطر بعيدة الاثر فى نفس الذين يظهرون عليها من النظارة حين يشهدون التمثيل او من القراء حين يقرءون القصة . ولكنك تسأل : كيف عرضت هذه الفكرة على المسرح ، وعلى الشاشة البيضاء ، كما يقول اصحاب السينما ؟ وهذا بالطبع حديث لا أريد ان اقف عنده الآن ، وقد الم به مقال اخر حين اعرض لمسرحيات جان بول سارتر . وانما يكفى ان تعلم ان التمثيل انما يقوم على ما يكون بين هؤلاء النفر حين يلتفون من حوار فيع العسر واليسر ، وفيه العنف واللين ، وفيه الخلاف والوفاق . وكله منته اخر الامر الى العجز واليأس اللذين ينتهيان باصحابهم الى الجنون ، الا ان الموتى لا يصيبهم الجنون . فاما السينما فإنها تصور هذا كله وتؤديه اداء حسنا ، ولكنها تعرض مع هذا كله تلك الالام والاثام التى اقترفها هؤلاء النفر فى حياتهم الاولى ، والتى يتحدث بها بعضهم الى بعض فى ملعب التمثيل ، فلا تظهر النظارة عليها الا من طريق اللفظ الذى تسمعه الاذن . فاما فى السينما فيظهر النظارة عليها من طريق العين لانها تمر امامهم مرا كلما عرض لها اصحابها فى الحديث .

وكأن نجاح هذه القصة فى السينما قد اغرى الكاتب اغراء شديدا بان يعنى بالسينما من حيث هو سينما ، فلا يعيرها قصة كتبت للملعب ، وانما يمنحها قصصا تكتب لها خاصة .

ومن الكتاب الفرنسيين الممتازين من حاول وما زال يحاول هذا الفن السينمائى الخالص. فيظهر بكثير من النجاح والتوفيق . والناس كلهم يذكرون روائع جان كوكتو ومارسيل بانيول. ولكن هذين الكاتبين وغيرهما لا يتجاوزون بأثارهما محاولة التوفيق بين السينما والفن ؛ فليس يعنيهم ان يذيعوا فكرة فلسفية او ادبية ما ، وانما يعنيهم ان يمتعوا النظارة بالسينما كما تعودوا ان يمتعوهم بالتمثيل . فاما جان بول سارتر ، فهو لا يكره ان يمتع النظارة ولكنه لا يكتفى بامتاعهم ، وهو لا يكره ان يعظ النظارة ولكنه لا يكتفى بوعظهم ، وانما يحاول فوق الامتاع والوعظ ان يعرض عليهم مشكلات عنيفة بعضها يعرض للانسان من حيث هو انسان يفكر فى حياته ومصيره تفكيرا فلسفيا ، وبعضها يعرض له من حيث هو انسان يدبر حياته تدبيرا سياسيا واجتماعيا ، فيلى فى هذا كل ما يلقى من المصاعب والعقاب .

وقد كتب جان بول سارتر للسينما قضيتين الى الآن ، عرضت احداهما  فى كان ولم تعرض على الجمهور بعد، ونشرت الثانية فى مجلة من مجلات السينما، ولست اعلم ان المخرجين قد هموا باخراجها بعد . فاما القصة التى اخرجت وعرضت بالفعل فعنوانها الفرنسى    Les jeux sont faits  وتسطيع ان تترجم هذا العنوان بهذه الكلمة العربية :" لقد تمت اللعبة "، كما تسطيع ان تترجمه بكلمة واحدة ، وهى "هيهات". وهذا العنوان الفرنسى ليس الا الجملة التى ينطق بها محرك "الروليت" فى اندية القمار قبل ان يحرك هذه الاداة . وبعد ان يضع اللاعبون ما يضعون من النقد على ما يختارون من الارقام . واذا نطق صاحب الاداة بهذه الجملة فهو انما ينبه اللاعبين الى ان احدهم لا يستطيع ان يختار رقما غير الرقم الذى اختاره ، ولا يستطيع ان يسترد النقد الذى وضعه على هذا الرقم ؛ فقد تمت اللعبة ولم يبق الا ان تجرى الكرة وتختار اللاعبين او تختار من اللاعبين صاحب الرقم الذى اتيح له الكسب . فاذا قامت تمت اللعبة ، او قلت هيهات او قلت سبق السيف العذل او قلت لا سبيل الى استدراك ما فات، فقد اديت المعنى الفلسفى الذى قصد اليه الكاتب حين انشأ قصته .

ويقول النقاد الذين شهدوا عرض هذه القصة فى مدينة كان انها لم تظفر بشئ من النجاح، ثم يختلفون بعد ذلك فى مصدر هذا الاخفاق ؛ فبعضهم يحمل تبعته على جان بول سارتر لانه كلف السينما ما لا تطيق ، وعرض على النظارة مشاهد لا يحبون ان يروها ولم يتعودوا ان يروها ، وكلفهم ان يخادعوا انفسهم خداعا عظيما قوامه التحكم الخالص ليفرقوا بين اشخاص ومشاهد لم يالفوا التفريق بينها .وبعضهم يحمل تبعة هذا الاخفاق على المخرجين والممثلين لانهم لم يحسنوا الاخراج والعرض والتمثيل . ومن المحقق انى لن احاول القضاء بين هؤلاء المختصمين ؛ فليست من السينما فى شئ وليس السينما منى فى شئ . ولكن من المحقق ايضا انى قرات هذه القصة التى اذيعت فى الناس تمهيدا لعرضها عليهم ، وقراتها ثلاث مرات ، فلم تزدنى قراءتها الا اعجابا بها ورضا عنها لا لما فيها من اراء فلسفية فحسب ، ولا لما لها من قيمة ادبية فنية فحسب ، ولكن لهاتين الخصلتين جميعا ولخصلة ثالثة ، وهى طريقة العرض التى تقتضيها السينما والتى تدفع الكاتب والقارئ جميعا الى شئ من النشاط والحركة والتنقل السريع المفاجئ من بيئة الى بيئة ، ومن طور الى طور بل من عالم الى عالم كما سترى .

وليس يعنيني ان تظفر هذه القصة بالنجاح على الشاشة البيضاء او لا تظفر به ، وانما الذى يعنينى انا قبل كل شئ هو ان هذا اللون من الكتابة القصصية يمكن ان يقصد اليه الكاتب فى نفسه سواء عرض على النظارة او لم يعرض فهو نفسه فن طريف حى خصب يستطيع ان يكون اداة قيمة جدا لابلاغ ما يريد الادباء ان يبلغوه الى قرائهم من طريق الكتاب . ولا عليهم بعد ذلك ان تستغله السينما فتنجح فى استغلاله او تخفق ، ولا عليه ألا تستغله السينما اصلاً . وقد استطيع ان اضرب لك مثلا مقاربا؛ فالادب التمثيلى القديم اليونانى واللاتينى ممتع حين تقرؤه ، خالد بحكم هذا الامتاع وقليل منه يمكن ان يمثل فى الملاعب ويظفر برضا لنظارة، ولكن اكثره قد فقد هذه الخصلة ، واصبح ممتعا بقراءته ليس غير .

وقد يستطيع الممثلون المعاصرون ان يعرضوا على النظارة "انتيجون". او "اوديب". او الكتز من اثار سوفوكل . ولكنى اشك اعظم الشك فى انهم يستطيعون ان يعرضوا على النظارة "فيلوكتيت". او "اياس" . من اثار هذا الشاعر نفسه ، وان يظفروا بشئ من اعجاب النظارة المحدثين . وكل رجل مثقف يجد المتاع كل المتاع فى قراءة هاتين القصتين ، بل قد حاول اندريه جيد فى كثير من التوفيق ان يجدد قصة "فيلوكتيت". كما جدد قصة "اوديب"، وكما جدد كتاب اخرون قصصا اخرى لسوفوكل وغيره من القدماء . فالكتاب الذين يستعيرون من السينما طريقتها فى العرض والحركة والتنقل السريع يجددون فى الادب تجديدا خطيرا ويفتحون للادباء افاقا واسعة سواء وفق المخرجون ام لم يوفقوا فى اخراج ما يكتبون .

والذين قرءوا "طريق الحرية" او ما ظهر من "طريق الحرية ". لجان بول سارتر ، يلاحظون انه لم يصل الى هذا اللون من الفن فجاءة ولا عن ارادة وتعمد . وانما وصل اليه شيئا فشيئا من طريق التطور الفنى الرفيق ، تأثر فى ذلك ببعض الكتاب الامريكيين ، وتاثر فيه بالسينما ، وتاثر فيه بالحياة الحديثة نفسها . فهو فى طريق الحرية قاص ، ولكنه لا يقص احداثه كما تعود الكتاب ان يفعلوا ، وانما هو امام اشخاص كثيرين جدا مختلفين اشد الاختلاف، يعيشون فى اقطار متنائية متباعدة ، وتحدث لكل واحد منهم الوان مختلفة من الاحداث كلها متاثر بذلك الروع الذى ملا الارض قبيل الحرب العالمية الثانية . وهو يلقى اليك اطرافا من هذه الاحداث فى شئ يشبه ان يكون فوضى ، ولكنه قد نظم ادق تنظيم وامتنه . فهو يحدثك عن رجل مروع فى هذه المدينة من مدن تشيكوسلوفاكيا ، ثم يثب بك الى مدينة ميونخ حيث الاستعداد للقاء هتلر وتشمبرلين ، ثم انت فى باريس فى ناد من اندية اللهو ، ثم انت فى باريس فى غرفة خاصة حيث يتناجى عاشقان . وهو كذلك يتنقل بك فى اقطار اوربا ، وربما نقلك الى افريقية ، وربما عبر بك البحر بين مراكش وفرنسا . وانت لا تستقر فى مكان من هذه الاماكن الا ريثما ينقلك منه الى مكان اخر . ولكنه على كل حال مغرق فى هذا الروع الى ملا الارض قبيل الحرب، مفكر فى الحرب ، مستحضر لها ولاهوالها ، شاهد لاياتها وبوادرها ، متاثر بعد ذلك بما لكل قصة من هذه القصص الكثيرة المختلفة المختلطة من عبرة تتصل بالسياسة او بالخلق او بالفلسفة او بنظام الاجتماع . فهو لا يقص عليك الاحداث ، وانما يعرضها عليك عرضا ، قد استعار للكتابة فن السينما فى العرض ، فاتقن الكتابة والعرض جميعا ، بحيث يمكن ان يعرض هذان الجزءان اللذان ظهرا من كتابه عرضا سينمائيا فى غير مشقة ولا عناء .

فلا غرابة اذن فى ان يستقبل الكتابة الادبية الفلسفية للسينما ولا غرابة كذلك فى ان يجد الفنيون مشقة فى الاخراج ، ويجد النظارة عسرا فى الفهم والاستمتاع .

والقصة التى نحن بازائها ، تعتمد على شخصين اثنين ، هنا البطلان ، ومن حولهما أشخاص كثيرون ، لكل منهم مكانه وأثره . وهذان الشخصان رجل وامراة . فاما الرجل فهو بيير دومين وهوعامل ممتاز بين زملائه ، قد اسس مع جماعة من رفاقه جماعة الحرية التى تنظم مقاومة الطاغية منذ اعوام ، وهى تستعد للثورة من غد . واما المرأة فهى ايف شارلييه ، وهى بالطبع جميلة رائعة الجمال ، غنية واسعة الغنى ، تشغل مع زوجها فى الطبقة الممتازة مكانا رفيعا . فاذا بدأت القصة ، فايف هذه مريضة تراها فى سريرها مكدودة ، وقد اقبل زوجها مترفقا، فدنا منها وتبين انها لم تحس مقدمه لانها مغرقة فى النوم . ثم يعرض عليك منظر غرفة حقيرة فى بيت متواضع ، وقد اجمتع رؤساء العمال حول رئيسهم بيير ، وقرروا بعد مناقشة ان تبدأ الثورة من غد . ثم نترك هذه الغرفة ، ونرى بيير فى الشارع يركب دراجته ويدنو منه غلام يعتذر من بعض الخطأ ، ونفهم انه قد وشى بالجماعة الى الشرطة بعد ان عذبته الشرطة عذابا شديدا ، ونفهم كذلك ان بيير لا يريد ان يعفو عنه ، وانما يزدريه اشد الازدراء ، فيمتلئ قلب الفتى حفيظة وموجدة وخزيا ، ثم نرى بيير قد وصل الى مكان خارج المدينة حيث تعمل طوائف من العمال والفتى يتبعه ، حتى اذا بلغ قريبا من اصحابه اطلق الفتى عليه مسدسه فخر صريعا . واقبل العمال من كل صوب حين سمعوا اطلاق المسدس . ثم نعود الى الغرفة التى تمرض فيها ايف . فنرى زوجها قد انحنى ينظر فى وجهها ، حتى اذا استقين انها نائمة استخرج من جيبه زجاجة صغيرة وصب منها قطرات فى قدح من الماء قد وضع الى جانب السرير ، ثم انسل الى الصالون حيث كانت تنظره لوست اخت امراته ، وهى فتاة فى الثامنة عشرة من عمرها ، مشفقة اشد الاشفاق على اختها ، فلا تكاد تساله عن حالها حتى يهيئها للنبأ الخطير ، والفتاة جزعة اشد الجزع ، ولكن الرجل يهدئ من روعها فى رفق ، ونفهم انه يتملقها ويريد ان يخيل اليها شيئا يشبه الحب .

ثم نعود الى.خارج المدينة فنرى بيير صريعا قد احاط به العمال ، وقد اقبلت فرقة من الجند فالعمال يتحرشون بها ، ويريدون ان يرجموها بالحجارة ، والجند يتهيأون لاطلاق النار . ثم نعود الى الغرفة التى تمرض فيها ايف فنراها قد افاقت من نومها واخذت القدح وشربت ما فيها ، ثم نهضت متثاقلة فسعت الى الصالون ودعت زوجها ، ثم عادت الى سريرها وجعلت تحذر زوجها فى صوت خافت متهالك من ان يعرض لاختها بشر ، وتنبئه بانها ستبرأ وستحمى اختها منه ، وبانه لم يتزوجها الا رغبة فى ثروتها ، وبانه الان يطمع فى ثروة اختها. وزوجها يسمع لها غير حافل ولا مكترث ، ثم لا تلبث ان تموت . ونعود الى خارج المدينة فنرى العمال مزدحمين حول الصريع يتاهبون لرشق الجند بما فى ايديهم من حجارة وحديد ، ويابون ان يفسحوا لهم الطريق ، والجند يريدون اطلاق النار . ولكن بيير ينهض من مصرعه ويتخطى جثته التى لا تزال فى مكانها ، وينصح للعمال بان يتفرقوا ملحا عليهم اشد الالحاح ، ولكن احدا من العمال لا يسمع صوته ولا يرى شخصه . فاذا استيأس منهم رفع كتفيه ومضى لوجهه . ونعود الى غرفة المريضة التى صرعها الموت ، فنراها قد نهضت وجعلت تسعى من الغرفة حتى تبلغ الصالون فترى اختها الفتاة ؛ قد وضعت رأسها على كتف الزوج الذى جعل يهدئها ويواسيها متلطفا مترفقا متحبيا ايضا ، وهى تقف امامهما فلا يريانها وتتحدث اليهما فلا يسمعانها حتى اذا أستيأست منهما تركتهما ومضت نحو الباب ، فتلقى الخادم فى طريقها فتتحدث اليها، ولكن الخادم لا تراها ولا تسمعها وهى تمر امام المرآة فتنظر اليها ولكن المرآة لا ترد اليها صورتها ، وهى تنظر فترى المرآة ترد صورة الخادم ولا ترد صورتها هى ، فتنطلق . ونحن فى الشارع نرى حركة الناس وازدحامهم وضطرابهم فيما يضطربون فيه ، ونرى فى الوقت نفسه بيير يسعى فى بعض الطريق وايف تسعى فى بعض الطريق ايضا ، وكلاهما يرى الناس ويسمع منهم ، يحاول ان يعرض لهم فلا يراه احد وان يتحدث اليهم فلا يسمع منه احد . وكلاهما يمضى فى طريقه يسال عن شارع بعينه لانه على موعد فى هذا الشارع ، ولكنه يسأل فى غير طائل ، فالناس لا يرونه ولا يسمعونه ولا يجيبونه . وكلاهما يسعى مع ذلك حتى يصل الى زقاق ضيق غريب قد كتب عليه اسم الشارع الذى يسال عنه . وكلاهما يدخل فى هذا الزقاق ، فاذا جماعة من الناس قد وقفت امام باب مغلق فى اقصى الزقاق؛ وهذا الباب يفتح بين حين وآخر فيدخل منه احد هؤلاء الناس ، ثم يغلق حينا ثم يفتح ليدخل منه شخص اخر . ويلاحظ بيير وايف انهما يريان هؤلاء الناس ويسمعان منهم ، وان هؤلاء الناس يرونهما ويسمعون منهما . والباب يفتح فيدخل بيير ، واذا هو فى حجرة ضيقة يمضى فيها حتى يبلغ اقصاها ، فاذا سيدة قد جلست امام مائدة وعلى المائدة دفتر ضخم ، فاذا انتهى بيير الى هذه السيدة سألها فى أدب اهى تنتظره ؟ فتنبئه السيدة بأنها تنتظره ، ثم تنبئه باسمه وتاريخ مولده . ولا يكاد يدهش لذلك حتى تنبئه بانه قد مات مقتولا ، ثم تطلب منه امضاءه على الدفتر ، فاذا فعل اذنت له فى الانطلاق، ولكن على ان يخرج من باب غير الباب الذى دخل منه . فاذا سألها الى اين اذهب وماذا يجب ان اعمل؟ انباته بان الموتى احرار يذهبون الى حيث يشاءون ويعملون ما يشاءون . وتجرى القصة نفسها لايف بعد حين ، فتعلم من السيدة انها قد ماتت مسمومة ، وتمضى على الدفتر ، وتمضى حرة تذهب الى حيث تشاء وتعمل ما تشاء لان الموتى احرار بعد ان يوقعوا باسمائهم فى سجل الاموات .

ولست اقص عليك تفصيل ما يعرض لهذين الميتين بعد خروجهما من هذه الحجرة وانطلاقهما فى المدينة يريان الاحياء ويسمعانهم ولكن الاحياء لا يرونهما ولا يسمعونهما . ويلقيان الموتى فنونا واشكالا منهم المحدثون ومنهم الذين بعد عهدهم بالموت . وما يستطيعان ان يتحدثا الى الموتى ، وان يسأما منهم ، وان يتندرا منهم بالايحاء وما يعملون. لا اقص عليك ما يعرضون لهما من خطوب فذلك شئ يطول وانما اسجل شيئين اثنين : احدهما ان بيير يذهب مع دليل له من الموتى الى قصر الطاغية ، فيدخل القصر وينسل الى غرفة الطاغية فيراه مبتذلا متهيئا لاتخاذ ثيابه الرسمية . ويتناول طعامه ومن حوله موتى كثيرون، كلهم مبغض له ساخط عليه يريد ان يصيبه بالمكروه ، ولكنه لا يبلغ مما يريد لان الموتى لا يبلغون مما يريدون شيئا . وقد انبأهم بيير بان الطاغية سيموت من غد حين تشب الثورة التى دبرها ، والموتى لا يدقونه ، ولكنه يلح حتى يوشك ان يقنع بعضهم بصدق ما يقول. ولكن رئيس الشرطة يدخل فيبنئ الطاغية بان زعيم الثورة قد قتل ، ويغضب الطاغية لذلك غضبا شديدا؛ فهو قد كان اعد للثورة جيشا ضخما وقرر ان يسحقها سحقا وان يريح نفسه منها عشر سنين على الاقل . واذن فقد استيقن بيير بان الثورة ستسحق ، وان الطاغية لن يفاجأ ، والموتى يضحكون منه ويحاولون تعزيته ، ولكنه يمضى مغضبا لا يلوى على شئ ، حتى يبلغ الغرفة التى كان يأتمر فيها مع اصحابه ، فيراهم ويسمعهم ، ويعلم ان مصرعه قد بلغهم . ويحاول ان يتحدث اليهم ليردهم عن الثورة ويحملهم على تأجيلها ولكنهم لا يرونه ولا يسمعون منه ، فينصرف عنهم يائسا مستيقنا بوقوع الكارثة من غد .

هذا أحد الامرين . اما الامر الثانى فهو ان بيير يلقى ايف فينظر اليها ويدنو منها ويكون بينه وبينها حديث ثم شئ يشبه الالفة . وهما يذهبان معا الى احدى الحدائق ، والى ناد من اندية اللهو فى هذه الحديقة تغشاه الطبقة الممتازة من اصحاب ايف . وهما يريان ويسمعان ، ولكن احدا لا يراهما ولا يسمعهما . وقد استحالت الفتهما الى تعاطف ، ثم الى شئ يشبه الحب ، وهما يتراقصان ، ولكنهما لا يجدان لذة الرقص لان الموتى لا يجدون لذة لشئ . وكلاهما يود لو بذل نفسه ثمنا للحظة قصيرة ينفقها مع صاحبه كما ينفق الاحياء اوقاتهم حين يكون بينهم الحب . ولكن كليهما يحس كأنه مدعو الى موعد، فينطلقان حتى يبلغا تلك السيدة التى تسجل الموتى فتنبئهما بانها كانت تنتظرهما ، وبانها قد علمت ان كليهما يظن انه قد غلط به فى الحياة ، وان كلا منهما قد خلق لصاحبه ، وان المادة الاربعين بعد المائة فى القانون تقضى فى مثل هذه الحال بتصحيح الخطأ ورد اليهما اربعا وعشرين ساعة . فاذا استطاعا ان يستأنفا منها الحياة قوامها الحب الصحيح مدت لهما اسباب الحياة ، والا عادا الى الموت. وهما يزعمان لهذه السيدة ان قد غلط بهما وان كلا منهما قد خلق لصاحبه فترد اليهما الحياة . ويودعان الموتى الذين يتمنون لهما الخير ، ومنهم من يكلفهما بعض الاعمال فى عالم الدنيا .

ثم نعود الى خارج المدينة فاذا جثة بيير فى مكانها ، واذا العمال من حولها يتاهبون لرشق الجند بالحجارة ، والجند يتهياون لاطلاق النار . فقد حدثت كل هذه الاحداث على كثرتها فى لحظة قصيرة ؛ لان الزمن لا حساب له بالقياس الى الموتى . وقد جلس بيير بعد ان ردت اليه الحياة ، وتحدث الى العمال فاستيقن انهم يرونه ويسمعونه ؛ واية ذلك انهم اطاعوه وتفرقوا . ولكنه ينهض فى شئ من ذهول ويعمد الى دراجته فيركبها ويعود الى المدينة . وقد ارسل العمال من ورائه احدهم ليتبعه ويعينه ان احتاج الى شئ من عون .

ونعود الى الغرفة التى ماتت فيها ايف ، فنراها على سريرها وقد جثت اختها منتحبة الى جانب السرير . ولكن ايف تتحرك ثم تتكلم ثم تنهض . وقد حدثت كل هذه الاحداث فى اقصر لحظة ممكنة ؛ لان الزمن لا قيمة له بالقياس الى الموتى . وقد ابنهجت اختها الفتاة حين راتها تفيق وسقط فى يد الزوج فخرج يلتمس لها الطبيب . وجعلت ايف تتحدث الى اختها محذرة لها من هذا الزوج الخائن الذى يخدعها ليظفر بثروتها ، والفتاة تدافع عن هذا الزوج لانها لم تر منه الا خيرا . ونحن امام الدار التى تسكنها وهى دار انيقة فخمة قد اقبل عليها بيير ، حتى اذا بلغها نزل عن سيارته ودخل وسأل البواب عن الطابق الذى تسكنه ايف شارلييه ، فيدله عليه مزدريا له ، ويأمره بان يرقى اليه من سلم الخدم . ثم نرى الخادم قد اقبلت تنبئ سيدتها بمكان هذا العامل ، وبانه يريد ان يلقاها وبانه ينتظر فى المطبخ . فتذكر ايف كل ما حدث لها اثناء الموت وتأذن لبيير. فاذا اقبل راعه ما فى هذه الدار من ترف لم ير مثله قط ، وهو على كل حال يلقى صاحبته ويتحدث اليها ويدعوها الى ان ترافقه ؛ وهى تتردد شيئا ، ثم تذكرنا ما زعمت لمسجلة الموتى ، فتهم ان تخرج ، ولكن الزوج يقبل ، فيراهما وقد ظهر تفوقه على امرأته . فقد راها فى غرفتها مع رجل غريب من غير طبقتها ، ورأى بينهما صلات لا تكون الا بين العاشقين . فهو يريد ان يطردها ، ولكنها تخرج مع رفيقها وفى نفسها شئ من حب ، وفى نفسها كثير من حسرة وخوف على اختها . وهما يستأنفان فى الشارع كل ما حدث لهما اثناء الموت ، فيسعان الى الحديقة ، والى النادى . ويريان اصحاب ايف ويسمعانهم . ولكن اصحاب ايف يرونها هذه المرة وينكرون مكانهما ويسخرون منهما . وهما يشقيان بذلك شقاء مختلفا مصدره استخذاء المرأة من رفيقها العامل الوضيع امام هذه الطبقة الممتازة ، واستخذاء الرجل من ضعة هيئته ومما بينه وبين صاحبته من الفرق الهائل فى الطبقة وفى الفقر والغنى . ولكنهما كليهما حريصان مع ذلك ان يستأنفا حياة قوامها الحب ؛ فقد اعطيا بذلك عهدا في دار الموتى ؛ فهما يعرضان عن كل ما يلقاهما من المصاعب ، وهما يتراقصان فى نفس المكان الذى تراقصا فيه ميتين ، ولكنهما يجدان لذة الرقص فى هذه المرة ، ويكادان ينعمان بهذه اللذة لولا هذه البيئة التى تنغص عليهما كل شئ . وقد وقع الشر  بين بيير وبين رجل من هذه البيئة، واقبل جندى يريد ان يعنف بيير ، فتظهر ايف بطاقتها للجندى ، ويعلم بيير ان لاول مرة ان زوجها يشغل منصبا خطيرا فى الشرطة فينصرف عنها هاربا . الم ينفق حياته كلها فى مقاومة هذه الشرطة والكيد لها ؟ فالنظام الاجتماعى كله والنظام السياسي كله والنظام الاقتصادى كله ، يحول بينه وبين هذه المرأة التى زعمت انها خلقت له ، والتى زعم انه خلق لها . ولكن ايف تدركه وما تزال به حتى ترده الى بعض الهدوء ، ثم يتعاونان على انقاذ ما اوصاهما به بعض الموتى فيقرب ذلك بينهما شيئا ما . ثم يذهبان الى دار بيير ويفترقان حين يبلغانها . يريد بيير ان تستأنس صاحبته الى هذه الدار وحدها من جهة ، وان يسرع الى اصحابه فينبهم الى الخطر الذى ينتظرهم من جهة اخرى ، فأما هى فتصعد الى الغرفة التى يعيش فيها بيير وتجد شيئا من الحرج فى الاطمئنان اليها والاستقرار فيها ، ولكنها مع ذلك تذعن لما ليس منه بد فتاخذ فى اصلاح الغرفة . واما هو فيذهب الى اصحابه ، فاذا لقيهم انكروه اشد الانكار ، لانهم عرفوا دخوله دار هذا الموظف الكبير من موظفى الشرطة وخروجه مع امراته . ثم لم يكتفوا بالشك فيه ، وانما اتهموه بالتجسس عليهم بانه قد افضى بامرهم كله الى حكومة الطاغية . وقد انصرف عنهم يائسا منهم ، وعاد الى صاحبته حزينا كئيبا ؛ فهى تواسيه وتسليه وترفق به وتذكره الحب وما اعطيا من عهد وما ضرب لهما من موعد سينتهى اذا كان الغد . وهما كذلك اذ يأتي احد العمال فينبئ بيير بان اصحابه قد ائتمروا به ليقتلوه ، ويحثه على الهرب بانهم قادمون لانقاذ ما ازمعوا . والعامل ينصرف وبيير ينبئ صاحبته بانه مقتول بعد حين ويأبى الهرب . وهذه اقدام يسمع وقعها ، واذا العاشقان والباب يطرق ثم يطرق ، ثم ينصرف الطارقون فلا يشك العاشقان فى ان النصر قد كتب لحبهما ، وفى أن الموت قد صرف عنهما لينعما بهذا الحب السعيد .

فاذا اصبحا من الغد فهما راضيان بعض الرضا لا كله ، لا يشك احدهما فى انه يحب صاحبه. ولكن بيير يذكر الثورة التى ستسحق بعد حين واصحابه الذين سيمحقون محقا ، ويريد ان يبذل اخر جهد لينقذ الثورة من الاخفاق ، وينقذ اصحابه من الموت . وايف تذكر اختها التى توشك ان تكون فريسة لهذا الرجل الذى لا يحبها وانما يحب ثروتها ، وهى تريد ان تبذل اخر جهد ممكن لانقاذها . وهما مع ذلك يحاولان ان يستمسكا بالحب والحياة ، ولكنهما يفترقان على ان يلتقيا بعد ساعة قبل ان يحين الموعد الذى ضرب لهما فى دار الموتى .

فأما هى فلا تكاد تدخل دارها حتى ترى اختها وزوجها قد جلسا الى طعامهم جلسة لا تخلو من ريبة ، فتخرج المسدس وتأمرهما الا يتحركا حتى تقص على اختها خيانة زوجها ، ثم تأمرهما بان تستخرج من مكتب زوجها رسائل الحب التى تثبت خيانته . واما بيير فقد ذهب الى اصحابه فى نفس ذلك الوقت وقد اجتمع اليهم زعماء العمال ، وقد اخذ اصحابه ينكرونه ، واخذ هو يدافع عن نفسه حتى اطمأنت اليه الجماعة بعد لاى وهمت ان تؤجل الثورة . ولكن الثورة قد بدأت فى مواضع كثيرة ، وهم يتداولون فيما ينبغى ان يتخذوا من قرار لانقاذ ما يمكن انقاذه. وقد دنا الموعد الذى ضرب لبيير وصاحبته فى دار الموتى ؛ فهو يسرع الى التليفون لينبئ صاحبته بانه لا يستطيع فراق زملائه وهو يحاورها حوارا شديدا فى التليفون نسمعه نحن والوقت يمضى ويمضى . وقد اقبل الجند فحاصروا المجتمعين وتطلق رصاصة فيخر لها بيير صريعا والجند يقتحمون الدار ويقهرون من فيها . ثم نرى بيير يتخطى جثته ويمضى لا يراه احد ولا يسمعه احد . ثم نراه بعد ذلك وقد لقى ايف ميتين وكلاهما يتحدث الى صاحبه كانهما قد خدعا عن انفسهم وعن الحب ، وبان التجربة قد أخفقت ، وبانهما قد عادوا الى الموت لان بيير لم يتمن الحياة الا لينقذ الثورة واصحابه ، ولان ايف لم تتمنى الحياة الا لتنقذ أختها من زوجها الخائن الأثيم . وقد اخفقا جميعا فلم يستطيع بيير ان ينقذ الثورة ولم تستطع ايف ان تنقذ اختها . ويلقاهما احد الموتى فيسالهما دهشا : ألم تنجحا فيما حاولتما ؟ فيجيبه بيير : كلا يا سيدى لقد تمت اللعبة ، فليس لاحد اللاعبين ان يختار . ويلقاهما مع ذلك ميتان اخران فتى وفتاة يخيل اليهما ان كلا منهما قد خلق لصاحبه ، وانه قد غلط بهما فى الحياة الاولى ، وانهما يستطيعان ان اتيح لهما الانتفاع بالمادة الاربعين بعد المائة ان يستانفا حياة سعيدة قوامها الحب ، فيشير عليهما بيير وايف ان يحاولا ، فمن يدرى لعلهما ان يظفرا بما لم يتح لهما الظفر به .

وكذلك تنتهى هذه القصة التى لم ارسم منها الا ابسط ما فيها ، وهى على ذلك تصور لك ما قصد اليه جان بول سارتر من عرض هذه الظروف القاسية المحتومة التى يفرضها النظام الاجتماعى والسياسي والتى تفرق بين الناس تفريقا محتوما لا سبيل الى التخلص منه الا اذا تغير النظام السياسي والاجتماعى وزالت هذه الفروق التى تجعل من الناس اقوياء وضعفاء وفقراء واغنياء لا سبيل الى ان يلتقوا ولا الى ان ينعموا بالحياة مادامت قائمة . فهم يجدون المساواة اذا ماتوا ويطمحون اليها مخلصين ويودون لو ردوا الى الحياة ليحققوها ، ولكنهم لا يستطيعون تحقيقها اذا ردوا الى الحياة ؛ لان اليد الواحدة لا تستطيع، التصفيق ولان النظام السياسي والاجتماعى لا تغيره ارادة فرد من الافراد وانما تغيره ارادة جماعية لا تتحقق الا بالتطور . ومن يدرى ! لعل التطور لا يكفى لتحقيقها ، ولعلها تحتاج لشئ اشد من الطور وهو الثورة .

وليس هنا موضع الحديث عما يمكن ان يكون بين هذا التفكير الفلسفي وبين الفلسفة الوجودية من تقارب أو تباعد ، وانما الشيء الذى ليس فيه شك هو أن هذا النحو من التفكير ملائم لما أشرت أنفا من رأى الكاتب فى بحثه عن الصلة بين الأديب وبين الجماعات . فجان بول سارتر يريد أن يجعل المساواة بين الناس حقيقة واقعية تريدها الجماعة كلها ولا يريدها الأفراد متفرقين . أحسبك توافقني على انه قد صور من ذلك ما أراد تصويره ، فبلغ من هذا التصور ما أحب .

اما القصة الثانية فعنوانها "الأنوف المستعارة ". وهى تدور بالفعل حول أنوف مستعارة يخفى بها أصحابها أنوفهم التي ركبها الله فى وجوههم . والقصة فكاهة ولكنها فكاهة مرة تضحك ولكن من حماقة الإنسان وسخفه وضعفه وتعلقه بالمنافع العاجلة وانقياده للوهم واستسلامه للسلطان وان كان ضعيفا لا يعتمد على قوة تسنده او تجعله مصدرا للخوف .

فانت حين تبدأ القصة فى دهليز من دهاليز القصر الملكي في مورافيا ، وهذا الدهليز قذر مهمل قد ضربت عليه العنكبوت بنسجها ، ورجل قائم على سلم يحاول ان يرد الى سقف الدهليز وجدرانه نظافتها ويزيل عنها نسج العنكبوت . ثم تعرض عليك صورة اخرى ترى فيها حجرة العرش وقد اجتمعت فيها حاشية الملك ووجوه الدولة وفى موقدها نار ضئيلة تخمد شيئا فشيئا . ولكنك تلاحظ على كل من ترى فى القصر من رجال ونساء ومن سادة وخدم انهم يحملون في وجوههم أنوفا ضخمة مسرفة فى الضخامة تجعل هذه الوجوه قبيحة مضحكة . ثم يقبل الملك والملكة فتنهض الحاشية ، ويحاول الملك ان يجلس على عرشه فإذا هو مضطرب لا يثبت قد قصرت بعض قوائمه فيضطر بعض الحجاب الى ان يتموا هذه القوائم القصيرة بقطع من الخشب يزجونها بينها وبين الأرض ، حتى إذا ثبت عرش الملك واستطاع ان يجلس جرت القصة نفسها لعرش الملكة . وقد اخذ الملك يتحدث إلى وجوه دولته ، فيعلن اليهم ان ابنه الامير اندريه سيقترن بالاميرة أجات بنت ملك القوقاز ، وان هذه الأميرة فى طريقها الان الى عاصمة مورافيا وسيجعل الله لهذه الدولة الضخمة الفقيرة يسرا بعد عسر وغنى بعد فقر وفرجا بعد حرج . ثم يشير الملك الى صورة مغطاة قد علقت الى احد الجدران فيرفع عنها غطاؤها ، وتظهر الاميرة من ورائه رائعة الجمال ، بارعة الحسن ليس فيها الا عيب واحد وهو ان انفها طبيعي جميل . فاذا رآه الملك الى ذلك دعا رسام القصر بان يصلح هذا الانف . فيقبل الرسام على الصورة يضخم انفها ويفخمه ويسبغ عليه من القبح ما تمتاز به الانوف فى مملكة مورافيا. هنالك يرضى الملك ورجال الدولة عن الصورة ، ويدعى الامير الشاب ليراها ، فاذا اقبل نظر الى الصورة فى تكره واشمئزاز ثم انصرف عنها معرضا يظهر الإذعان للقضاء المحتوم اكثر مما يظهر الشوق الى خطبه التى شغفت قلبه حبا . وفى اثناء هذا كله يلاحظ الملك ان خدم القصر قد تركوا اعمالهم وابوا ان يستجيبوا له اذا دعا . فاذا سال ذلك انباه وزير العمل بان خدم القصر قد قرروا الاضطراب اذا تمت الساعة الحادية عشرة ؛ لانهم لم يقبضوا اجورهم منذ ستة اشهر ، وقد حاولت الحكومة اقناعهم بان زواج الامير سيملأ الخزائن ذهبا وسيقبضون رواتبهم ومكافات اخرى ، ولكنهم لم يحفلو بهذه الوعود. هنالك يعلن الملك ان لابد مما ليس منه بد وان رجال القصر كلهم ومعهم وجوه الدولة يجب ان يتناوبوا فيما بينهم اعمال الخدم . ثم ينهض الملك نفسه فيقدم الأسوة الصالحة وياخذ في ترتيب الحجرة ، ويضطر وجوه الدولة الى ان يصنعوا صنيعه ، فهم ينقلون الاثاث الموروث ليضعوا مكانه اثاثا جديدا انيقا قد استعاره الملك من اعضاء حاشيته . وربما كان من المضحك ان نلاحظ ان الملك فى اثناء حديثه الى وجوه دولته يرى سيدة تصطك اسنانها من البرد ، فاذا نهاها عن ذلك حاولت ان تملك نفسها ولكنها لا تستطيع فيأمرها الملك بالخروج ويمضى فى حديثه ، ولكنه يسمع اسنانا اخرى تصطك فيهم  ان يغضب ولكنه ينظر فاذا الملكة هى التى تصطك اسنانها من البرد . هنالك ياذن بالنهوض وضرب الارض بالأرجل طلبا لبعض الدفء . وكذلك ينهذ هو وتنهض معه حاشيته وياخذون فى طرق الارض بارجلهم. حتى اذا ظفروا ببعض الدفء ، عادوا الى مقاعدهم ومضى الملك فى حديثه .

ثم يعرض علينا المطبخ . وقد اخذ رجال ونساء من وجوه الدولة يعملون فيه ، يهيئون الوليمة التى ستدعى اليها الاميرة اذا كان المساء ، وهم يختصمون فيم بينهم خصومات مضحكة تدل كلها على انهم محنقون من هذا العمل الذى اضطروا اليه والذى لا يحبونه لا يحسنونه ولا يعملونه فى قصورهم، وانما هو فقر الدولة قد اضطرهم الى هذا الهوان ؛ لان هذا الزواج سيجلب للدولة مالا كثيرا فيعود امرها اليسر والثراء ، ولكنهم على ذلك ضاقوا..!! بالملك وابنه وبهذه الحياة المنكرة التى تفرض عليهم وعلى الشعب . فهذه الانوف الضخمة البشعة ، انما فرض عليهم وعلى الشعب كله حملها ؛ لان الامير قد ولد كبير الانف بشعه ، فاراد الملك الا يحس الامير انه منفرد  بهذه البشاعة ممتاز بهذا القبح ، فشرع قانونا يفرض على الشعب كله ان يتخذ الانوف الضخام . ومضى الشعب على هذه السنة المنكرة حتى الفها وحتى اصبحت الانوف الطبيعة عورة يجب ان تستر ، وحتى تهالك الناس على التماس هذه الانوف الطبيعية يختلسون النظر بها خفية من وراء الحجب ويحدثون عن اماكن اللهو التى يمكن ان يغشوها وان ينفقوا فيها النفقات الضخمة ليروا انفا طبيعيا جميلا ، ويستطيعوا مسه فاما قبيله فشئ لا يتاح الا للذين ينفقون فى سبيله اضخم النفقات .

وللملك اخ ضيق بهذه الحياة . طامع فى العرش ، يدبر ثورة يخلع بها اخاه ويطرد بها ابن اخيه، ويرقى بها الى الملك ويزيل عن الناس انوفهم هذه المستعارة ، ويبيح لانوفهم الطبيعية ان تظهر للواء والنور وتستمتع بحريتها كاملة . وهو يتحدث فى المطبخ الى اعوانه من وجوه الدولة بما دبر من هذه الثورة فيقرونه على خطته ، ويتفقون على افساد هذه الخطة ومنع هذا الزواج ، وعلى ان وسيلتهم الى ذلك ستكون  افساد الوليمة أولاً ، فسيقدم إلى المدعوين أقبح الطعام وأردأه وستكون الخدمة منكرة مخالفة للمراسم والتقاليد ، وسيتعمدون حين يدورون بالصحاف والشراب على المدعوين ان يسيئوا الخدمة، فيصبوا النبيذ والمرق على ثيابهم الجميلة وعلى اكتاف السيدات العارية ، ثم سيفسدون على الضيف نومهم ، فيضعون الضفادع فى الآسرة ، حتى اذا كان الغد واحتشد الاشراف والشعب لامضاء عقد الزواج صدرت اشارة، فالقى كل انسان انفه الصناعى واظهر الاشراف جميعا انوفهم الطبيعية واعلنت الثورة ، وراى الامير انه وحده صاحب الانف الضخم القبيح . وهم يتفقون على هذا كله، وقد استمع الامير لبعضه اثناء مروره امام المطبخ فابتهج له لانه كاره لهذا الزواج ، يريد الا يتم .

ثم يعرض علينا مقدم الاميرة ، وقد خرج الملك لاستقبالها فى بعض الطريق ؛ فلم يكد يتلقاها ويتحدث اليها ويظهر لها صورة الامير حتى تراع الفتاة حين ترى هذا الانف . وحين تعلم ان الانوف كلها فى مورافيا على هذا النحو من البشاعة ويزداد جزعها حين يعرض عليها الملك انفا صناعيا تخفى به انفها الصغير الجميل . وهى تثور وتمتنع وتحاول ان ترفض هذا الزواج ولكن وزير ابيها يذكرها بانه الزواج او الدير ، فتذعن كارهة ، وتضع انفها الصناعى كما يضع رجال حاشيتها ووصائفها انوفهم الصناعية . وتصل الى القصر وهى تتمنى الا يتم هذا الزواج بشرط الا تكون هى مصدر هذا الاخفاق حتى لا تضطر الى الدير . وقد احتاط ابوها الملك واحتاطت معه دولة القوقاز لهذا النكر الذى ستدفع اليه الفتاة ، فالحق بحاشيتها ضابط رشيق وسيم ليكون فى خدمتها وليعزيها عن حياتها تلك المنكرة . وقد اخذ هذا الضابط يتقرب اليها ، واخذ هى تطمئن الى دعابته ، ولكنها ربما فكرت فى ان تهرب مع هذا الضابط الى حيث يعيشان عيشة الحب والسعادة بعيدين عن هذه الانوف الكبار . وقد بلغت الاميرة القصر واستقبلها الامير استقبالا فاترا متكلفا ، انكر انفها ، وانكرت انفه ، وتمنى كلاهما الا يتم هذا الزواج . ثم كانت الوليمة ، واقبل الخدم وهم من وجوه الدولة ، فقدموا أردأ طعام وخدموا اسوا خدمة ، وهم بعضهم ان يصب النبيذ على الاميرة فيتقيه الامير بيده ، وهم اخر ان يميل قنديله ليسقط على كتف الاميرة الشمع المذاب ، فيضع الامير يده على كتفها ليتلقى هذا الشمع ، وتذعر الاميرة لذلك فتلطمه ويوشك الامر ان يفسد لولا ان الوزير يرمق الفتاة فتذكر الدير ، ولولا ان الموضع تمس الامير فيذكر حاجة الدولة الى المال .

وتمضى السهرة على شر حال . وتمر الاميرة بالمطبخ مستخفية، حين يتقدم الليل فتسمع الاشراف وهم يتخذون قرارتهم الاخيرة لاتمام الثورة ، فتبتهج بهذه القرارت، وتنضم الى المؤتمرين ؛ لانها لا تريد ان يتم الزواج ، ولانها لن تحتمل تبعة الخفاق اذا كانت الثورة . ولكن وزير ابيها مختبئ كما كانت مختبئة ، وهو يسمع لما سمعت له ويندس بين المؤتمرين ، حتى اذا اجمعوا امرهم اعلن اليهم انه مكلف ان يزوج الاميرة من وارث العرش فى مورافيا كائنا من يكون ، فاما ان يقبل اخو الملك، ان يتخذ الاميرة لنفسه زوجا واما ان يفضح هذه الثورة قبل وقوعها . هنالك تقدم اخو الملك معلنا اغتباطه بهذا الزواج . ويسقط فى يد الاميرة ، فهى بين اثنين : اما ان تتزوج الامير الشاب وانفه الكبير ، واما ان تتزوج الامير الشيخ وسنه التى تشرف به على الهرم والفناء . فان لم تقبل هذا ولا ذاك، فهو الدير . وهى مقتنعة بان ليس لها بد من الهرب ، فهى تأمر الضابط بان يهئ لها وسائل الفرار، والضابط كاره لذلك ، فهو لم يرسل ليحتمل تبعات الحب الحر ، وانما ارسل ليكون خليلا لولية العهد ، ثم خليلا للملكة حين يرقى زوجها الامير الى العرش . ولكنه مع ذلك يظهر الطاعة ويسرع الى الوزير فيظهره على جلية الامر ويطلب اليه ان يحتاط لمنعهما من الهر ب. وقد خلت الاميرة الى نفسها اخر الليل فى غرفة من غرفات القصر . ولم تكد تدخل هذه الغرفة حتى رات جماعة من التماثيل قد وضعت لها انوف ضخام . وهى ثائرة فتضرب انوف هذه التماثيل حتى تسقط وتنزع انفها الصناعى وتمعن فى البكاء . ويمر الامير فيسمع نحيبها فيدخل الغرفة ، ولا يكاد ينظر الى الفتاة ويرى انفها الطبيعى الصغير الجميل حتى ياخذه دهش اى دهش ، واذا هو ينتزع انفه المستعار . وترى الفتاة فيه شابا انيقا وسيما ، وهو يعطف على الاميرة عطفا لا حد له، فقد عرف انها مثله قد ابتلت بانف صغير وانها تخفى مثله هذه الافة بانفها الصناعى ، فهو يحبها لانها شريكته فى هذه المحنة ، فانوف الناس كلهم كبار الا انفه . وهو من اجل ذلك مضطر الى ان يتخذ هذا الانف الصناعى ليخفى به عاهته . وتحاول الاميرة ان تقنعه بان انوف الناس كلهم صغار ولكنه لا يقتنع . والمهم هو انه احبها لان لها انفا صغيرا كانفه الذى كان يخفيه . وهى تحبه لان له انفا طبيعيا كانوف غيره من الناس . ويقبل الضابط وقد هيأ للهرب كل شئ ، ولكنها تعلن انها لن تقبل . ثم ترى الجمع قد احتشد من غد لامضاء عقد الزواج ، ونرى عرش الملك مضطربا كما رأيناه من قبل ، ونراه يسند بقطع الخشب ، ونرى المائدة التى سيمضى عليها العقد مضطربة قد قصرت قوائمها، فما تزال بقطع الخشب والمجلدات الضخام حتى تستقر وقد ارتفعت فلم يحتج الملك ان يجلس  ليمضى العقد ، وانما هو يمضيه قائما متطاولا. ثم تصدر الاشارة التى اتفق عليها فتلقى الانوف الصناعية كلها ويظهر الناس بانوفهم الطبيعية الصغار . ويطلب اخو الملك الى الامير الشاب ان يتزل ولاية العهد  فما ينبغى لملك مورافيا ان يكون مشوه الخلق . وما ينبغى ان يملك على هذه الارض من اكره الشعب في سبيله عشرين عاما على حمل هذه الانوف المستعارة البشعة . هنالك يلقى الامير انفه الصنعى ويظهر كما خلقه الله شابا وسيما جميل الانف ، فيضطرب الناس ويميلون اليه . ولكن اخا الملك يعلن ان هذا الفتى ليس ولى العهد ؛ فقد ولد ولى العهد كبير الانف ، واثبت الاطباء ذلك وصدر القانون بحمل الانوف الكبار من اجل ذلك والملك نفسه دهش فهو يعلم ان ابنه ولد كبير الانف ، ولكن المرضع تعلن الحقيقة ، وهى ان ابن الملك قد مات بعد ولادته باشهر قليلة . وان امة الملكة التى ماتت منذ عشر سنين قد اتخذت مكان أبنها طفلا صغيرا ، واتخذت له هذا الانف الصناعى، فعلت ذلك كله حبا للملك واشفاقا عليه ان تنتقل ولاية العهد من ذريته ، فيورثه ذلك حزنا عظيما. وقد نهضت الاميرة فالقت انفها الصناعى . واعلنت انها لن تتزوج الا هذا الفتى ، وانها ان صرفت عنه فستؤثر الدير . هنالك يتجه الملك الى الشعب والاشراف سائلا ماذا تريدون ؟ اتريدون ملكا من الاسرة المالكة ، ام تريدون ذهب القوقاز ؟ فيلقى الجواب الاجماعى بان الشعب يريد مال القوقاز . ويعلن الملك انه تبنى هذا الفتى فاصبح أميرا شرعيا وليا للعهد .

وكذلك تنتهى هذه القصة ، وقد عرضت عليك خلاصتها موجزة ، ولم اعرض عليك شيئا من خصائصها الفنية التى تتصل بالاخراج والعرض ، وتلائم السينما بوجه عام . وقد رايت ما فى القصة من مغزى سياسي واجتماعى وخلقى ، ورايت ان جان بول سارتر قد استطاع ان يذيع فى القصة الاولى من طريق الجد اراء فلسفية هى بعينها التى تؤلف فيها الكتب وتكتب فيها الفصول  وتنشا فيها المسرحيات ، واستطاع فى القصة الثانية ان يذيع من طريق الفكاهة اراء فلسفية ليس اقل خطرا من الاراء التى اذاعها فى القصة الاولى من طريق الجد ، فجد السينما وهزلها كجد التمثيل وهزله ، وكجد الكتاب والمقالة وهزلهما يمكن ان يكونا وسيلة من وسائل التصوير والتعبير التى تحقق الصلة المنتجة المجدية بين الجماعة وبين الاديب .         

الخميس، 13 يوليو 2017

مفهوم الزمان عند هيدجر الزمان بوصفه تزمُّن الزمانية

جمال محمد أحمد سليمان 

انتهى هيدجر إلى أن الدين والعلوم والفلسفة قد عجزت جميعها عن الإحاطة بماهية الزمان ذاته، ومن ثم كان عليه هو أن يقوم بهذه المهمة.لقد اعتبر هيدجر الزمان متناهياً؛ إذ يقول: "إن الزمان أصلاً متناهٍ". (1) وبما أن الزمان كذلك فإن الموجود الذى يمكنه أن يكشف عن تناهى الزمان هو ذاته الموجود الذى يكشف وجوده عن الوجود، أى الموجود الإنساني.
وبناءً على ذلك فقد فهم هيدجر الزمان "بوصفه الوجود الذى يمكن أن يوجد فى كلية الموجود الإنساني"(2) ؛ فالزمان الممكن من وجهة نظر هيدجر هو الزمان الزمانى Zeitlich، أو هو تزمن الزمانية؛ لأن "الزمان أصلاً هو تزمن  من الزمانية"(3)، وهذا التزمن الذى يكون للزمان فى الزمانية "لا يأتى من توالى التخارجات الزمانية لكنه يتحقق فى أصالته الداخلية" (4) ، وتزمن الزمانية هذا هو الذى يحقق وجود الموجود فى العالم؛ فـ " بقدر ما يتزمن الموجود الإنساني نفسه يكون فى العالم".(5) ، فماذا عساها تكون هذه الزمانية، وعلى أى نحو تتزمن؟
قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نتذكر أن هيدجر قد قسم كتابه (الوجود والزمان) إلى قسمين: تناول فى القسم الأول تحليل حالات الموجود الإنساني الثلاث؛ الوقائعية والتواجدية والسقوط، ويشكل الهم وحدة أولية لهذه الحالات الثلاث. 
لكن بما أن غاية بحث حالات الموجود الإنساني هى الكشف عن الوجود القارّ فى وجود هذا الموجود "فإذا كان ينبغي لتأويل وجود الموجود الإنساني بوصفه أساساً لتعميق السؤال الأنطولوجي الأساسي (أى السؤال عن الوجود) أن يصبح أصيلاً، فيجب عليه قبل ذلك أن يحضر وجود الموجود الإنساني فى خصوصيته الممكنة وفى كلية مكونه الأساسي للنور"(6)؛ فإن هذه الغاية لا يمكن القيام بها على الوجه الأكمل إلا من خلال الكشف عن زمانية الموجود الإنساني، وكان هذا هو موضوع القسم الثاني من كتاب (الوجود والزمان). هذه الزمانية "التى ينبغى أن تؤكد فى كل البنيات الماهوية للحالات الأساسية للموجود الإنساني".(1)
وإذا ما حاولنا الكشف عن الزمانية داخل حالات الموجود الإنساني فسنكتشف أن هذه الزمانية لا يقتصر دورها فقط على أنها تجعل حالات وجود هذا الموجود وحدة واحدة، أو تكشف عن خصوصيته الشديدة، بل إنها أيضاً تبدو كأفق يمكننا أن نطل منه على وجود هذا الموجود؛ "فالزمانية … تملك شيئاً ما مثل الأفق".(2) وإلى الزمانية أيضاً تعزى "الإمكانية الأساسية للتواجد الأصيل وغير الأصيل"(3)، وهى أخيراً تكشف عن أن حياة الموجود الإنساني تمتد بين حدى الميلاد والموت، أى أنها بمثابة الأساس الماهوى لتاريخية الموجود الإنساني.
وإذا أردنا أن نعرف ماهية هذه الزمانية فإن علينا أولاً أن نتخلى عن الفهم التقليدى للزمان، والذى يتصور أن الزمان ما هو إلا توالٍ محض للآنات دون بداية أو نهاية (إنه) يسطّح Nivelliert الخاصية التجاذبية للزمانية الأصيلة".(4)
كما ينبغي علينا أيضاً أن " نستبعد كل المعانى التى يحتشد بها مفهوم الزمان المبتذل عن المستقبل والماضى Vergangenheit ( * ) والحاضر"(5)؛ لأنها فى حقيقة الأمر تتأسس على التفرقة الميتافيزيقية بين الذاتى والموضوعى، وكم تغلغلت هذه الثنائية حتى أحالت الزمان إلى سيف ماضٍ حين تصورته على أنه عبارة عن توالٍ من الآنات المتعاقبة فى اتجاه واحد.
فإذا ما استبعدنا كل ذلك فستتبدى لنا الزمانية ذاتها، والتى ماهى إلا تزمن ماكان والحاضر والمستقبل، وخاصيتها التى تميزها عن التصور الشائع للزمان هى أن الزمانية ماهوية تجاذبية Ektatisch ؛ فهو  يسمى الظواهر التى تصف المستقبل وما كان والحاضر تجاذبية الزمانية"، أى أنها تجذب ما كان والحاضر والمستقبل فى وحدة واحدة، ومن ثم لا يكون هناك ماضٍ منقضٍ ومستقبل غائب وحاضر مستغرق فيه بوصفه الزمان الكائن على الأصالة وما عداه لا وجود له، إما لأنه لم يعد موجوداً (الماضى)، أو لأنه لم يأت بعد (المستقبل) لكن "وحدة التخطيطات الأفقية للمستقبل وما كان والحاضر تتأسس فى الوحدة التجاذبية للزمانية"فكيف تتم هذه التجاذبية ؟ ومن أى طرف تبدأ؟
يقول جونتر فيجل :" إن التجاذب يعني ـ بما أنه تجاذب شيئين ـ القدرة على ترك شيء ما ، أو تجاوز شيء ما ، وهذا يعني فيما يتعلق بظواهر الزمان أن كلا منهما يكون فقط عندما يكون خارج ذاته ، وبحيث يلتف مع الظواهر الأخرى ، ولا يكون بدون هذه الظواهر الأخرى".(3) ويرى هيدجر أن نقطة البدء في الزمانية هي الحاضر؛ فالزمانية " تزمن نفسها أصلاً من المستقبل"(4)؛ فالمستقبل هو ما له الصدارة في مفهوم الزمانية وليس الحاضر كما كان الحال فى التصور التلقيدي لفهم الزمان. ومن المستقبل "ينبثق كل ما ينبثق، ليس بوصفه الأفق الملقي هناك،والذى منه تتدحرج الآنات آناً تلوالآخر.ولكن الـ "ماكان" Die gewesenheit ينبثق من المستقبل بطريقة أكيدة".(5) وفى انبثاقه من المستقبل  يزمن نفسه معه، إنه يتواجد بشكل ما فى المستقبل وبقدر ما يحمل من عمق الأصالة؛ يمكنه أن يقيم في الحاضر ليس باعتباره اللحظة المضيئة الوحيدة،وإنما من حيث قدرته على التعاصر مع الحاضر والامتداد إلى المستقبل من حيث إن استشراف المستقبل يتم على أساس من الماضي والحاضر. 
وينبثق الحاضر هو الآخر من المستقبل شأنه شأن "ماكان"، وذلك حين يستشرف المستقبل، ولا يبقي فى انتظار ما لا يجيء أبداً ولو انتظر الدهر كله، بل إن الحاضر ينبثق كذلك من الـ "ماكان" بما أنه ما هو إلا استشرافه الذى تحقق فأصبح حاضراً "ومثلما ينبثق الحاضر فى وحدة تزمن الزمانية من المستقبل وما كان كذلك فإن الحاضر يزمن نفسه بأصالة مماثلة مع أفق المستقبل وما كان".(1)
وحين يتزمن ماكان والحاضر والمستقبل، أى حينما يصبح ماكان واقفاً فى الحاضر وقادراً على الوقوف فى المستقبل؛ وحينما يصبح الحاضر واعياً بماضيه ومبوّئاً إياه المكان اللائق فى ذاكرته، وعندما لا يغدو المستقبل هو ذلك الذى لم يأت بعد، وإنما هو مانلتقي به في  التصميم المستبق الذي يتبدى في المشروع؛ حينئذ تتحقق الوحدة الأصيلة للزمانية التى ليست مجرد تجميع صورى لا علاقة بين أجزائه سوى على  مستوى الفكر؛ لأن "الزمانية لا تجمع نفسها من المستقبل وماكان والحاضر فى مجرى الزمان Mitzeit"(2)، وإنما هى تلاحم أصيل ماهيته الانبثاق والتزمن مع بعضها البعض.
وإذا كانت الزمانية تزمن نفسها من المستقبل فإن الزمانية " لا تزمن نفسها باستمرار من المستقبل الأصيل. وعدم الاستمرارية لا يعنى أن الزمانية يعوزها المستقبل فى بعض الأحيان، ولكن التزمن هو الذى يمكن أن يتحور"(3)، أى أن الزمانية ذاتها لا تتحور، وإنما هى أفق هذا التزمن، وإن كان من الصحيح كذلك أنها "تزمن نفسها بطرق ممكنة".(4) فهى إذن تتزمن عبر الإمكان الذى يتميز بالثراء الذى لا ينضب، ولكنها فى نفس الوقت لا تتحور لأن "الزمانية بشكل عام ليست موجوداً"(5) ما بين الموجودات التى تخضع للتغير والتحور. 
غير أن الزمانية بما هي تزمن الزمان المتناهي متخارجة فهي متناهية ؛ لأن الزمانية المتخارجة بالرغم من أنها تكوّن الزمان الأصيل فهي ليست إلا زمانية متناهية.(6) والزمانية من حيث هى التخارج الأصيل فى ذاته ولأجل ذاته Das ursprunglich Außber sich an und für-sich-selbst"(7) ، وهى أخيراً إطار ما يوحد ظواهر الزمان الثلاث "وهذا الشكل Der gestalt بوصفه ظاهرة موحدة للحاضر وماكان والمستقبل نسميه الزمانية".(8 
ويعتبر هيدجر أن هذه الإمكانيات المتعددة التى يعزوها إلى الزمانية هى التى "تجعل من الممكن تعدد حالات وجود  الموجود الإنساني".(1) لكنها فى نفس الوقت هى التى تؤلف الوحدة الأصيلة للوقائعية والسقوط والتواجد وتجعلها ممكنة؛ لأنها المعنى الأنطولوجي للهم الذى يعد المؤلف الأوّلى لوحدة حالات الموجود الإنساني، ومن ثم فإن "الوحدة الأصلية لبنية الهم تقع فى الزمانية"(2) 
وبناءً على ذلك تكون الزمانية هى الأصل الحقيقي الذى تقوم عليه كل حالات الموجود الإنساني؛ " فما هو سابق لنفسه Das sich-vorweg يتأسس فى المستقبل، وما هو بالفعل schon  وجود (فى) … يتبدى فى "ما كان"، والوجود (عند) … يصبح ممكناً فى الحاضر".(3)
بيد أننا لا يجب أن نفهم (قبل vor) الواردة فى كلمة سبق Vorweg، وكلمة بالفعل schon على نحو ما تفهم بالمعنى الدارج لفهم الزمان؛ لأن " قبل لا تعنى السابق Das Vorher بمعنى أنه آن ليس بعد Noch- Nicht – Jetzt. وبالمثل فإن المتأخر لا يعنى ما هو "بالفعل" ما لم يعد آناً، لكنه يعنى متقدماً. وإذا كانت تعبيرات "متقدم" و"بالفعل" لها هذا المعنى الزمانى Zeithafte، والذى يمكنها أيضاً أن تملكه، عندئذ يمكن أن نقول عن زمانية الهم كما لو كانت شيئاً ما، والذى هو متقدم ومتأخر، ليس بعد، ولم يعد".(4)
وتتعمق آفاق الزمانية فى الموجود الإنساني بحيث تبدو أفقاً له فى كل منحى من مناحى وجوده؛ "فأفق الزمانية الكلية يحدد ما عليه Woraufhin ينفتح الموجود المتواجد الوقائعي. ومع الوجود - هناك Da-sein الوقائعي تكون قدرة وجود فى كل تشريع فى أفق المستقبل، وفى أفق الـ "ما كان" ينفتح الوجود بالفعل، وفى أفق الحاضر يتكشف الاهتمام".(1)
ومن ثم تتعاصر الوحدة التجاذبية للزمانية مع وحدة حالات الموجود الإنساني؛ بحيث يتعذر الفصل بينهما، لأن حقيقة الزمانية هى الموجود الإنساني؛ فالموجود الإنساني "ليس هو الزمان ولكنه الزمانية".(2)
لكن إذا كان هذا النحو الذى تؤلف به الزمانية كلية حالات الموجود الإنساني، فعلى أى نحو تؤلف الزمانية الكلية الخاصة للموجود الإنساني وأصالته وتاريخه؟ لكى يتسنى لنا الإجابة عن هذا السؤال ينبغي علينا أن نتناول وجود الموجود الإنساني بوصفه وجوداً للموت، والزمانية الأصيلة وغير الأصيلة، والزمانية التاريخية.
أ – الموجود الإنساني بوصفه وجوداً للموت Sein zum tode  : 
إن موت الموجود الإنساني هو الإمكانية القصوى التى تستحيل معها كل إمكانية أخرى. ومن ثم فإن الموت يكشف عن كلية هذا الموجود بوصفه كُلاً. لكن الكلية التى يفصح عنها الموت هى الكلية المفقودة التى لم تعد قدرة وجود "إن الوصول إلى كلية الموجود الإنساني فى الموت هو فى نفس الوقت فقد للوجود هناك ".(3) لكن هذا الفقد "الذى  يفض به  الموت إمكانيات الموجود الإنساني هو الذى يجعل من الممكن الإحاطة الأنطولوجية بكلية الموجود"(4) فعلى أى نحو تكون هذه الكلية التى يكشف عنها الموت بالنسبة للموجود الإنساني؟
إن الموت يكشف عن كلية الموجود الإنساني بوصفه" وجودا لم يعد، أى لم يعد بعد – فى العالم ".لكن هذا لا يعنى بأى حال من الأحوال أن الموت يعنى الخروج من العالم، بل يعنى فقد الوجود – فى – العالم؛ فطالما ظل الموجود الإنساني وجوداً فى العالم فإنه يظل منفتحاً على إمكانيات الوجود الثري، والتى يحققها بقدر ما يستبق  ويشرع لوجوده، ولا يتوقف تشريعه لنفسه واستباقه للمصمم إلا بموته الذى فيه وحده تتبدى كلية الموجود بما هو فقد. لكن الفقد بما أنه فقد لما كان يظل أيضاً على علاقة ما بالموجود من حيث إنه الوجود الذى فقد.
إننا يمكن أن نجد فى موت الآخرين معرفة أولية للموت من حيث إن الموجود الإنساني الميت يملك نفس نمط وجود الموجود.لكننا " لا نتعرف على موت Das streben الآخرين بالمعنى الحقيقي، بل إننا على أقصى تقدير نكون بالقرب منهم dabei"(1)؛ لأن معاناة الميت موته ليست بأى شكل من الأشكال شبيهة بمعاناة أهله الذين يعانون فقد وجوده، فشتان بين أن تعانى الموت وأن يموت لك أحد؛ لأن الموت هو دائماً الإمكانية "بالغة الخصوصية من حيث إنه يخصنى أنا"، وهو إمكانية لا يملك موجود كائناً ما كان أن يفضها عنى. صحيح أن بإمكان المرء أن يجود بنفسه فداءً للآخرين أو دفاعاً عن الوطن، غير أن هذا يعنى دائماً أن يضحى بنفسه من أجل الآخرين، لكن "لاأحد يمكنه أن يدرأ الموت Streben abnehmmen عن الآخرين"(3)، وذلك لسبب بسيط هو أن الموت إمكانية تقبع فى الموجود الإنساني نفسه وليست شيئاً يأتيه من الخارج هذا يعنى أن الموت "تكويني بالنسبة لوجود الموجود الإنساني"(4)، بمعنى أن الوجود الإنساني لا يلتقي بالموت فى نهاية حياته، وإنما هو يموت فى كل لحظة تسقط من لحظات حياته، إنه على وجه الدقة "يحيا موتاً"، والموت هو الذى يكون وجوده، بل هو حبل الوجود؛ إن "الموت صرخة اللا شيء … وبما أنه صرخة اللاشيء فهو حبل الوجود".(5) فبأى معنى يكون الموت حبل الوجود؟ هل هو ما يثبت الوجود ويجعله راسياً أم يكون الحبل تعبيراً مجازياً عن الإمكانية التى لا تنفض؟  على أية حال يظل الموت إمكانية فريدة لا تخص إلا الموجود الإنساني، أما الكائنات الأخرى فإنها تنفق Verenden.
لكن حياة التوسط التى يحياها الناس تلغى كل خصوصية للموت "إن الناس يقولون إن الموت آت يقيناً، لكنه لم يأت بعد".ومن ثم فهم يمارسون الهروب من مواجهة الموت، وينظرون إليه على أنه حدث ملقى فى نهاية حياة الموجود الإنساني. وكى يمارسوا الخداع على أنفسهم وعلى بعضهم البعض ينظرون إلى الموت على أنه حادث يصيب الآخرين. وعلى أفضل حال يتصورون أنه قدر محدد ينتظرنا فى نهاية الطريق، ولكنهم فى الغالب الأعم يعتبرونها حادثاً مجهولاً  وهم بذلك دون أن يشعروا ينفون الطابع الزمانى للموجود الإنساني الذى يكشف عن الموت بجلاء سواءً من حيث أنه يكشف عن كونه إمكانية لا يمكن فيه التبديل، ومن ثم يتميز بالخصوصية الشديدة أو من حيث إن كل موجود له زمانه الذى يجيء فيه ويذهب بقدر ما يسمح له الزمان بالإقامة فيه. وإذا كان بسكال يقول فى إحدى عباراته: "إن الناس حين عجزوا عن أن يعالجوا الموت والبؤس والجهل قرروا لكى يعيشوا سعداء ألا يفكروا فيهم على الإطلاق". فهل حقاً يكون المرء سعيداً بنسيان الموت؟ وهل يشكل هذا نمط الوجود الأصيل ؟ أم أنه وجود غير أصيل؟ وهل بإمكان الزمانية أن تكشف عن الأصالة وعدم الأصالة؟ يستدعى هذا بالضرورة معرفة الزمانية الأصيلة.
ب – تزمن الزمانية الأصيل وغير الأصيل: 
تتحدد الأصالة وعدم الأصالة عند هيدجر على أساس من المستقبل. والمستقبل  يتزمن على نحو أصيل بوصفه استباقاً "والاستباق فى إمكانيته القصوى والأكثر خصوصية هو العودة Zurückkommen الواعية إلى ماكان Gewesen الأكثر خصوصية، والموجود الإنساني يمكنه أن يكون (ماكان) أصيلاً  بقدر ما يكون مستقبلياً Zukünftig".(4) أى أن الاستباق، أو على نحو أدق التصميم المستبق vorlaufende entschlossenheit يفتح الموجود الإنساني على وجوده، وهذا الانفتاح على الوجود الملقى هناك لا يكون انفتاحاً أصيلاً إلا حين ينفتح على الماضي، ولا يعنى هذا الاستغراق فى الماضي بقدر ما يعنى الكشف عن الإمكانيات المضيئة للماضي، والتى لا شك أنه يحملها. ويعنى أيضاً – وكما سبق القول – أن الخطوة للوراء ضرورية لكى نتطلع للأمام ونستشرف المستقبل. فماذا عن المستقبل غير الأصيل؟
إن المستقبل غير الأصيل لا يستبق، ومن ثم لا ينفتح على إمكانيته المستقبلية ولا التى كانت "إن المستقبل غير الأصيل له خاصية التوقع Gewärtigen ".(2) والتوقع لا يملك أفقاً للرؤية، وإنما هو دائماً يتوقع. وحين يضع الموجود الإنساني نفسه رهن التوقع يجعل وجوده تحت رحمة ما يسوقه التوقع، ولا يكون بإمكانه درء ما يجيء به المتوقع منه من تهديد؛ فنحن مثلاً نتوقع أن يسود طقس بارد ممطر غداً دون أن يكون بإمكاننا أن نحول دون برودة الجو أو المطر، ، لكن التوقع ليس هو الحالة الوحيدة للمستقبل غير الأصيل. بل إنه يحوى فى جعبته أشكالاً أخرى ومنها الترقب Erwarten "إن الترقب هو حالة لها أساس قوى فى التوقع للمستقبل"(3)، وإن كانت أصالته تتضمن درجة أقل من التوقع؛ لأن الموجود الإنساني فى حالة الترقب يمارس نوعاً ما من الاهتمام بالموضوع أو الموجود الذى يراقبه. 
أما الـ "ماكان" الأصلى فهو عند هيدجر التكرار Wiederholung"، هو العود الأبدى لنفس الشيء، أى استعادة الوقوف فى المنفتح، أى الانفتاح على الوجود.
أما الـ "ماكان" غير الأصيل فهو النسيان.Vergessenheit والنسيان بوصفه "ما كان" غير أصيل يتعلق بالوجود الأصيل الملقي، أى أنه إمكانية موجودة فى وجود الموجود ولها أصالتها الوجودية كمكون سلبي. إن  "النسيان ليس لا شيء ولا هو خطأ التذكر ، وإنما  هو حالة تجاذبية إيجابية خاصة بـ ( ما كان)"(4)، بمعنى أن الموجود الإنساني يظل مرتبطاً بالماضى حتى حين ينساه، إنه قدره الذى يصاحبه  أينما اتجه، والذى لا يمكنه أبداً أن يهرب منه، بل يجده وراءه أينما ذهب.
ويعبر هيدجر عن الحاضر الأصيل باللحظة Augenblick؛ فكيف تكون اللحظة تعبيراً عن الحاضر الأصيل؟ أليست اللحظة تمت بنسب أصيل للملاحظة التى قد ينظر إليها على أنها فعل سلبي غير أصيل ؟ بطبيعة الحال ليس الأمر كذلك، لأن هذا يعود إلى لغتنا العربية فحسب، أما كلمة اللحظة فى اللغة الألمانية فهى مكونة من مقطعين؛ Augen وتعنى عين، blick وتعنى نظر، فهم، بصر. وإن كان هيدجر يقدم لها تعريفاً من خلال التواجد فيقول: "إن التواجد اللحظى يزمن نفسه بوصفه امتداداً Erstrektheit قدرياً كلياً بالمعنى الأصلى، أى ديمومة مطلقة لنفسه".(2) فكأن اللحظة إذن هى بمثابة مداومة تلقى ما يلمح لنا عن نفسه بوصفه القدر الذى يملك وجودنا، إنه الوجود.
أما الحاضر غير الأصيل فهو الآن. ولا يفوت هيدجر أن يؤكد على أن التوقع والنسيان والترقب بل والسقوط هى جميعاً مكونات أساسية لوجود الموجود الإنساني، بمعنى أنه إمكانية يمكن أن يكونها. وهى بالطبع إمكانية أصيلة من حيث إن لها وجوداً، ولكنها غير أصيلة من حيث إنها مكون سلبى يمثل الحالة التى يكون فيها وجود الموجود الإنساني غير أصيل. 
وإذا كان هذا شأن الأصالة وعدم الأصالة فماذا عن التاريخية والزمانية؟ 
الزمانية والتاريخية Zeitlichkeit und  )Geschichtlichkeit:
 ( * تمتد حياة الموجود الإنسان بين نهايتين الميلاد، الموت. والموجود الإنساني بما هو موجود زمانى متناه يحقق تاريخيته بين هاتين النهايتين؛ فالوجود الأصيل للموت الذى يكشف عن الزمانية والتناهى هو الأساس المتحجب لتاريخية الموجود الإنساني. فعلى أى نحو تتشكل تاريخية الموجود الإنساني؟ هل حياة هذا الموجود عبارة عن حشد للوقائع والأحداث التى تملأ ما بين النهايتين؟يقول هيدجر: "الموجود الإنساني لا يتواجد بوصفه مجموع الحقائق الواقعية الراهنة التى تقع بعد بعضها البعض، أو الحوادث Eilebnissen المختفية" (1)، وإنما تتشكل حياة الإنسان بوصفها همًّا " وبوصفه هماً فإن الموجود الإنساني يكون هذه الـ بين والتى تمتد  Erstreckt من الميلاد إلى الموت.بيد أن الأساس الممكن للهم يجد وحدته فى الزمانية، ومن ثم فإن حركة الموجود الممتدة بين الميلاد والموت يجب أن توضَّح فى أفق الحالة الزمانية لهذا الموجود.
ومن ناحية أخرى فإن الموجود الإنساني هو موجود وقائعي Facktisch، ومن ثم فإن تاريخيته لا يمكن أن تحددها الوقائع المادية أو حتى الثقافة ومظاهر التقدم، أو عبر ما يحققه من إنجازات فى فروع العلم المختلفة؛ لأن الربط بين تاريخ هذا الموجود ومثل هذه الوقائع والحوادث يقوم على أساس من فهم علاقة الذات / الموضوع، تلك الثنائية المتغلغلة فى كل شيء حتى التاريخ ولا يمكن بأى حال تصور التاريخ على هذا النحو فإذا جاز لنا أن نصف الوقائع الماضية بأنها تاريخية فإننا نتعرف لماذا ننعت بهذه الصفة نفسها الوقائع الحاضرة التى يجب أن تحدد التاريخ والواقع أن هذا ما نفعله أيضاً. فالصحف لا يفوتها أن تعلن مقدماً أن هذا الحدث حدث تاريخي".(3)لكن هذا لا يعنى أن نستبعد هذه الحوادث والوقائع من تاريخ الموجود الإنساني، بل يجب "النظر إلى وقائع التاريخ على أنها وقائع للوجود فى العالم".(4)
وفقاً لهذا الفهم وحده يمكننا أن نقول: "إن تاريخية الموجود الإنساني هى تاريخية ماهوية للعالم، والتى تنتمى للتزمن على أساس الزمانية الأفقية المتجاذبة ".(1)ولما كانت الزمانية الأصيلة تزمن نفسها أصلاً من المستقبل فكذلك الحال بالنسبة للتاريخية، فالتاريخية الأصيلة ما هى إلا الوقائع التى وقعت نتيجة للتصميم المستبق، وبهذا المعنى وحده تكون التاريخية أصيلة؛ إذ يرى هيدجر أن ما قدمناه حتى الآن فى الوقائع الملقاة فى التصميم المستبق يسمى التاريخية الأصيلة للموجود الإنساني.(2)
وغنى عن القول أن التاريخية التى يريد هيدجر أن يؤسسها هنا تاريخية فردية، وكل الأحداث والوقائع التى تحدث إنما تكتسب قيمتها التاريخية فقط بوصفها وقائع للموجود وليس بوصفها تاريخية فى ذاتها، أى أنها تكتسب تاريخيتها من الموجود.ويحاول هيدجر الربط بين التاريخ والمصير Schiksal . والمصير عند هيدجر لا يفهم إلا انطلاقاً من الانفتاح؛ إذ يقول " إن المصيرية Schiksalhaft فى انفتاحها التقليدي التواجدي تفتح الموجود الإنساني بوصفه وجوداً للعالم على ما يقابلنا فى الأحوال السعيدة وقسوة المصادفة" (2)؛ فالموجود الإنساني وإن كان يشكل تاريخه بانفتاحه على الوجود وباستباقه لذاته فى التصميم المستبق لابد أن يكون أيضاً عرضة لما يجابهه فى المصير؛ ربما لأن  التاريخ والمصير ينتميان إلى أصل واحد من حيث اللغة؛ فالتاريخ Geschichte والمصير Schiksal من وجهة نظر هيدجر يعودان إلى الفعل Geschehen. 
وعلى أية حال، إذا كانت الزمانية قد أوضحت لنا – بغض النظر عن اختلافنا مع هيدجر أو اتفاقنا معه – الأنحاء التى يكون بها الموجود كلياً وله خصوصيته الشديدة ومصيره الذى يجعله عرضة للانفتاح بين حدى الميلاد والموت؛ فقد آن الأوان لنرى كيف يكون الزمان عند هيدجر أفقاً للوجود.

الزمان بوصفه أفقاً للحضور Anwesen: 
إذا كان هيدجر قد رفض استخدام كلمة الماضى Vergangenheit التى يعود أصلها إلى الفعل vergehen بمعنى ينقضى أو يزول، وفضل استخدام التصريف الثالث من الفعل Sein  يكون أو يوجد Gewesen  الذى يعنى "ماكان" ليحتفظ بمعنى الوجود أو الكينونة حتى فى الماضى، وقام بتقسيم كلمة الحاضر Gegen-wart على هذا النحو ليعبر عن أصلها الذى تعود إليه، فالمقطع الأول من الكلمة يعنى نحو أو تجاه، بينما المقطع الثاني من الكلمة يعنى حفظ أو صيانة أو حراسة، وكأن الحاضر صيانة أو حراسة أو حفظ ظاهرتى الزمانية الأخريين أى ماكان والمستقبل. كما قام بتقسيم كلمة المستقبل إلى Zu-kunft أى ما يقبل إلى؛ فقد كان هيدجر يسعى من وراء ذلك فى حقيقية الأمر إلى التقاط حدس لم يكن قد تكشف بعد بشكل كامل.
وإذا كان هيدجر قد قدم تأويلا للموجود الإنساني فى الزمانية فقد كان عليه أن يقدم تأويلاً للنحو الذى به يكون الزمان أفقاً للوجود. وفى محاضرته "الزمان والوجود"- التى تعيد إلى أذهاننا عنوان الفصل الثالث من القسم الأول من كتاب (الوجود والزمان) قدم هيدجر تناولاً لمشكلة الزمان وعلاقته بالوجود.
فعلى أى نحو تكون العلاقة بين الزمان والوجود؟ ومن أين تكون نقطة البدء لتناول هذه العلاقة القديمة الأصيلة فى نفس الوقت؟ 
يقول هيدجر:"إننا نسمى الزمان عندما نقول إن كل شىء له زمانه، هذا يعنى أن كل ما يوجد بالفعل وكل موجود يأتى ويذهب فى الزمان المناسب"(1)؛ و"ما يكون فى الزمان ويعرض نفسه ويتحدد من خلال الزمان نسميه زمانياً zeitlich"(2)، وهو ما يزول وينقضي بوصفه شيئاً. ؟ لكن ماذا عن الزمان ذاته؟ هل ينقضي مع الشيء الذى يزول؟ أم أن الزمان  لا يتبدل ولا يتغير؟
إن اللغة عموماً لا تحدد بدقة ما إذا كان الزمان نفسه يمضى أم أن الموجود هو الذى يزول والزمان باقٍ.
والواقع أن "الزمان الأصيل Eigentlich هو ماهوياً خارج نفسه … إنه وجود خارج ذاته ولذاته"(1)، لكن كونه خارج ذاته لا يعنى بأى حال من الأحوال أنه شيء ما، وإنما هو وجود خارج ذاته خالص وبسيط. إن الزمان " أمر ما Sache ( * ) ربما يكون موضوعاً للتفكير، … لكنه ليس شيئاً زمانياً"(2)؛ إذ ليس بمقدورنا أبداً أن نقول إن الزمان موجود؛ لأنه لا يتعين ولا يتشخص، ونحن على أقصى تقدير نقول "هناك gibt Es  زمان"(3)؛ فعلى أى نحو يكون الزمان المفهوم انطلاقاً من العطاء ؟ وكيف يعطى ؟ ومن الذى يعطيه؟ وعلى أى نحو يعطيه؟
إن ما يُعطَى فى هناك Es gibt هو الزمان نفسه فى خصوصيته، لكنه لا يعطى بوصفه شيئاً، وإنما بوصفه هبة، فمن الذى يهب الزمان بوصفه هبة ؟ إن ما يهب الزمان بوصفه هبة هو الضمير "هو " Es فى قولنا هناك زمان. وعلينا إذا أردنا أن نعرف الزمان فى خصوصيته sein eigen أن نفهم الإعطاء das beben فى هذا الـ هو Es. لكن علينا فى الوقت ذاته أن نتعجل الإجابة، فما حقيقة الضمير هو Es الذى يهب الزمان؟ إنه يعبر عن ذلك الحضور الذى لا يغيب أبداً ولا يحضر مطلقاً، والذى يبقي الزمان نفسه هبة له. ولكى يتضح هذا – علينا أن نبدأ من أمورنا الحياتية ولغتنا المستخدمة والتى تكشف عن إمكاناتها الثرية كلما اقتربنا منها بفهم؛ إننا نقول: "أقيم الحفل فى حضور in Anwesenheit جمع غفير من الضيوف".(4) ويمكننا أن نقول هذه العبارة بطريقة أخرى فنقول: " أقيم الحفل فى وجود imbeisein … جمع غفير من الضيوف؛ فما الذى يمكن أن يعن لنا من هذا القول عن الزمان؟
إن الحديث عن الحضور بطبيعة الحال يستدعى  الحديث عن الحاضر Gegenwart، فما إن يذكر الحاضر إلا أخذنا نفكر فيه انطلاقاً من الماضى Vergangenheit  والمستقبل zukunft ، أى بوصفه الآن الحاضر فى اختلافه عن الآن المتقدم früher والآن المتأخر Später؛ فهل يمكن أن يفهم الزمان انطلاقاً من الآن والذى " لا يكون ثلاثة أو مائة بل يكف لكى نفهمه أن نتصور اثنين: المتقدم والمتأخر"(2) ، بمعنى آخر هل يمكن أن تقرأ العبارة سالفة الذكر على النحو التالي: " أقيم الحفل ( فى آن im jetzt" جمع غفير من الضيوف"؟(3) بطبيعة الحال  لا يمكن ذلك، فهنا لا يكون الحاضر الذى نفهمه من معنى حضور الضيوف مماثلاً لمعنى الحضور الذى يتبدى من "الآن"، ومن ثم فحين نتابع سبل الميتافيزيقا فى التفكير فإننا فى الحقيقة نسد الطريق أمام معرفة الزمان الأصيل.
والواقع أن "الزمان المعروف بوصفه آنات متتابعة بعضها تلو البعض هو ما يعنيه الناس عندما يقيسون أو يحسبون الزمان."(4) والزمان المحسوب  أو المَقيس "لا يمكنه بأى حال من الأحوال أن يقربنا زلفى من ماهية الزمان؛ لأنه لا يفهم الزمان إلا  انطلاقاً من المكان، ومن ثم يتصور الزمان على أنه نقاط من الآنات. والفهم العام للزمان – المكان zeitraum بمعنى المسافة المقيسة بين نقطتي زمان ما هو إلا نتيجة للزمان المحسوب. ومن خلال الحساب يتصور الباروميتر (أداة قياس الوقت) الزمان خطاً".(5) وهو يفعل ذلك على هدى من تصور أرسطو، والذى من العجيب أن يظل التصور الوحيد حتى بداية القرن العشرين، وهو فى نفس الوقت لا يعدو كونه تصور رجل الشارع للزمان.
فكيف إذن ينبغي أن نفهم الزمان ؟ إنما يجب أن نفهم الزمان بمعنى الحاضر كأفق للحضور "فما الذى يعنيه الحاضر كأفق للحضور؟ وما الأمر الذى نفكر فيه عندما نقول (حضور)؟"(1) غالباً ما يستدعى تأملنا لمعنى الحضور معنى الدوام Währen ، بيد أن الدوام قد يفهم من الاستمرار dauern  الذى يعود إلى  التصور المألوف للزمان بوصفه انسياباً مطلقاً؛ فكيف نفكر إذن فى الدوام؟
إننا يجب أن نفكر فى الدوام بمعنى البقاء Verweilen،( * ) صحيح أن الزمان يمر ويصير لكنه يبقى ليس بوصفه شيئاً ما أو موجوداً ما وإنما بوصفه البقاء الذى يهب ولكنه لكى يهب لابد أن يوجد من يوهب له وهنا يتبدى دور الإنسان؛ وإذا كان هيدجر قد قال فى كتابه (مفهوم الزمان) : " الموجود الإنساني هو الزمان والزمان زماني(2) فإنه عاد فى الزمان والوجود ليقول : إن الزمان لا يُعطى بدون الإنسان "(3) وعلى الرغم من الاختلاف الجوهرى الذى طرأ على تفكيره فالواقع أن الحاضر هو حاضر الإنسان والحضور هو الآخر ينسب إلينا "والإنسان يقف فى دنو Angang  الحضور Antwesenheit، بل إنه هو الحضور بوصفه المستقبِل للهبة التى تعطى فى هناك Es gibt"(4)، وما لم يكن الإنسان على الدوام مستقبلاً للهبة من "هناك – زمان " فلن يصل أبداً إلى فهم معنى الهبة، وعندئذ "لن يكون الإنسان هو الإنسان Der mensch wäre nicht der mensch ".(5) إذ الواقع أن الإنسان وإن كان يقترب من فهم الزمان عندما يقول (ليس لدى وقت) فإنه فى اللحظة ذاتها قد ينظر إلى ساعته ويقول : "إنها الآن الساعة الثانية عشرة والنصف بعد الظهر مثلاً، فهل لا يخون الإنسان نفسه على هذا النحو؟ 
وإذا أردنا أن نعرف الحضور فعلينا أن نفهم أنه "ليس بالضرورة كل حضور حاضراً؛ لأن الحضور أمر نادر".(6) إنه من الممكن تماماً أن يكون الحضور غياباً، و "الغياب شأنه شأن كل حضور ينسب إلينا دائماً".(7) فكيف ينسب الغياب إلينا؟ وكيف يكون الحضور غياباً؟ 
إن نسب الغياب إلينا بمعنى " ليس بعد حاضراً Gegenwärtigen فى نمط حضور بمعنى ما يصل  إلينا auf – uns – zukommens".(1)، أى أن الغياب الذى ينسب إلينا هو المستقبل الذى لم يصل إلينا بعد والمستقبل الذى لم يأت إلينا بعد " بوصفه ليس بعد حاضراً يمتد، وفى نفس الوقت يجيء ما لم يعد حاضراً، أى الماكان، بل ويمتد الماكان للمستقبل نفسه"(2) ، وهذا يعنى ببساطة أن "غياب ماكان (أى الماضى) كغياب المستقبل يظل نمطاً للمجيء فى الحضور الذى يواجهنا (3). وإذا كانت أبعاد الزمان الثلاثة تحضر فى الحضور "فليس من الممكن إسناد هذا إلى الحاضر وحده"(4) ، وإن كان من الصحيح أيضاً أن خاصية التبادل تمتد لكل منهما وتجيء فى نفس الوقت للحاضر".(5)
وإذا ما انتبهنا إلى تعبير (فى نفس الوقت Zugleich)، هذا التعبير الذى قلنا إنه من الواجب حذفه إذا أردنا أن نقف على الفهم الأصيل لمفهوم الزمان عند كانط؛ فسوف نجد أنه لا غنى عنه لفهم العلاقة بين المستقبل وما كان والحاضر "إننا نقول ( فى نفس الوقت) ونتحدث عماد يمتد لبعضه البعض  Sich –einander-reichen – من المستقبل و ماكان والحاضر، هذا يعنى وحدتهم الخاصة بخاصية الزمان".(6) فكيف يمتد المستقبل وماكان والحاضر لبعضهم البعض؟ إن كلمة الامتداد Reichen الألمانية "تعنى حرفياً مدّ ، أى العرض بعمنى العطاء فى حركة عدد إلى الأمام والتى تحيل إلى فكرة قدرة ممتدة لسيطرة… الزمان. وكلمة Reichen هى من نفس جذر الكلمة اللاتينية Reg التى أعطت dirigere, Rex "(7).
وعلى هذا فالامتداد هنا هو الامتداد الذى يتيح للحضور أن يحضر وأن يهب هبته. وعبر هذا الامتداد  وحده "تتأسس وحدة أبعاد الزمان الثلاثة فى مرور zuspiel كل منهم لكل منهم".(8) لكن هذا المرور الذى يمارسه المستقبل وماكان والحاضر "يبدو وكأنه البعد الرابع لهم، ليس فقط وكأنه، بل إنه فى حقيقة الأمر كذلك؛ فالزمان الأصلى Eigentliche  ذو أربعة أبعاد".(1)
وهذا البعد الذى يعد البعد الرابع " إذا ما تأملنا حقيقته ملياً فسوف نجد أنه فى حقيقة الأمر البعد الأول، هذا يعنى أنه الامتداد المحدد للكل ".(2)؛ لأنه يقرب المستقبل وماكان والحاضر لبعضهم البعض، لذلك فهو فى حقيقة الأمر "المبدئ Anfänliche، وبالمعنى الحرفى الامتداد المبدئ An- fangend-Reichen، والذى فيه تتأسس وحدة الزمان الأصيل، أى القرب القريب، أى القرابة Die nähende nähe, nahheit".(2)
لكن الامتداد وإن كان يقرب هذه الأبعاد الثلاثة من بعضها البعض فإنه فى نفس الوقت يبعدها عن بعضها البعض؛ "لأنه يبقي ماكان مفتوحاً، ومن ثم فإنه يمنع verweigert مستقبله بوصفه حاضراً".(4) كما أنه "يبقي ما يجيء
x

الأربعاء، 3 مايو 2017

مقابلة مع سارتر ومورافيا في قضايا الفكر والثورة ..



ترجمة: نبيل المهايني
x

    نشرت مجلة "لسبرسو" الإيطالية في احد أعدادها الأخيرة مقابلة هامة مع كل من جان بول سارتر والبرتو مورافيا حول قضايا الفكر والثورة،  نقدم ترجمة كاملة لها فيما يلي:
الثورة والإصلاح(**) : حول هذين القطبين دار كثير من النقاش السياسي – الايديولوجى في كل من فرنسا وايطاليا خلال السنوات الأخيرة . وان كان ذلك في أوقات مختلفة في كل من البلدين فان المواضيع والخلفيات كانت مشتركة بينهما . كما أن التجربة الفرنسية كانت اشد مأساوية من تلك الإيطالية التي برزت خابية . ومن بين رماد الجمهورية الرابعة ولد نظام الحكم الديجولى الذي تمخض في عام 1968 عن متاريس ايار التي استمدت منها قوة وأفكارا الحركات الثورية في نصف أوربا . غير أن عهد المتاريس لم يكن طويلا . فعندما غاب ديغول تشكل نظام جديد للسلطة اشد رهافة لكنه ليس شديد الاختلاف عن سابقه ، واخذ هذا على عاتقه مهمة امتصاص قمم تلك الصراعات البارزة وتسييرها في طرقه ذلك لحمل الوضع إلى المستويات القديمة . أما في ايطاليا ، فمنذ أربعة أعوام خلت فتحت أولى الاضطرابات الطلابية الأبواب للأوهام الثورية أمام من أراد أن يهرب على هذه الدرب نحو أفاق من المراوحة والتقليدية . وهكذا بدأت تتشكل حتى في إيطاليا أيديولوجية الإصلاح . وقد مدت هذه الإيديولوجية التي خدمتها الأحزاب السياسية ، والفئات الاجتماعية وحتى سلطة الدولة ، مدت الموجه الفاشية بانطلاقاتها .
ومازال الوضع حتى اليوم مختلفا في كل من البلدين . غير أن النقاش لم يتغير . فهناك من كل من فرنسا وايطاليا من ينظر ويحاول أن يطبق " الثورة الدائمة " وهناك أيضا – على الجبهة الأخرى – من يكرز ويحاول أن يطبق قوانين الإصلاح . فأية أفاق ترتسم الآن أمام كل من الطرفين ؟ وقد طلبنا من جان بول سارتر ( وهو الكاتب الذي تحول إلى إطار سياسي منظم ) ومن البرتو مورافيا (وهو الكاتب الذي بقى مخلصا لموهبته وطريقه ) أن يقدما لنا جوابا وان يقارنا بين وجهات نظرهما حول هذا الحديث . 
[1]
سؤال : التمردات اليوم هي جانبية ومحددة بأماكن معينة ، كما إنها تزداد صلابة وتنتهي أحيانا بصدمات جسدية وعملية . فهل ترى أن بوسع هذا أن يتعمم وان يصبح تمردا موحدا ؟ وكيف ؟ 
سارتر : لا أظن أن الفترة الراهنة هي فترة التعميم الشامل . ولا يتعدى الأمر الآن تجميع بعض هذه الصراعات وتوسيع الحالفات وتقويتها . إننا باختصار في فترة أولى هي فترة الرباط التنظيمي ، حيث يمكن التنظيم ، ولسنا بعد في الفترة الثورية فعلا . وبوسعنا أن نفترض وصول المرحلة النهائية بعد فترة من الزمن قصيرة ، غير إننا الآن مازلنا في المرحلة الأولى . انه من الصعب ولابد جمع محتلي البيوت إلى العمال المضربين . فما يوحد بينهم هو إنهم يصطدمون مع قوى امن مختلفة ، غير أن هذا لا يمكن له الآن أن يتمخض عن وحدة ما . على اية حال ليس بوسع حركة الاحتلال أن تثير اهتمام الناس إلا عندما تتسع . فهناك الآن باريس 165 منزلا شاغرا ، وهذا يعنى وجود العديد من الناس ممكن إعطاؤهم منزلا . وقد علمنا في الفترة الأولى على احتلال بعض هذه المنازل : غير أن قمعا بوليسيا عنيفا جرى وتم إخلاء العديد من البيوت رغم إنها كانت مسكونة ومحتلة بصورة تامة . والآن يجب استئناف هذا الصرع وإعادة بنائه ، وعندما ينتقل هذا الصراع إلى مجال أوسع يمكن أن يلتحم به العمال أيضا . 
سؤال : ومورافيا ، ما هو رأيه بالمسالة ؟ هل بوسع التمردات المحلية أن تتعمم وتصبح تمردا عاما ؟ وكيف ؟ 
مورافيا :  أظن أن المستقبل سيشهد تمردات تزداد على الدوام رغم إنها محلية وجانبية وجزئية . أما سبب هذا فهو من جهة معينه ، كثافة السكان الكبيرة وما تثيره من توترات اجتماعية ، ومن جهة أخرى هناك أسطورة الثورة على إنها الحل الوحيد لازمات النظم . وقد نجمت هذه الأسطورة بدورها عن أن النظم السياسية الحالية ، في الشرق كما في الغرب تدين بوجودها للثورات ، فهناك الثورة البرجوازية عام 1789 والثورة الاشتراكية عام 1917 . غير أن التمردات المحلية والدورية ليست تمردات ثورية شاملة . وأنى أرى هذه الأخيرة ممكنة في البلدان التي لم تتسيس بعد أكثر مما أراها ممكنة في البلدان التي تسيست . والغريب أن الكتل الجماهيرية – إذا ما حاكمنا الأمور من خلال ما جرى حتى الآن على اقل تقدير – تتحرك ثوريا لأسباب ( رغم إنها حيوية وعادلة فهي بشكل ما ) معادية للثورة اى إنها أسباب امن . وفى تعبير أخر فان هذه الكتل تنقل بصورة جد منطقية إلى العمل والنشاط السياسيين عندما نشعر إنها في خطر بصفتها كتلا جماهيرية، اى بمناسبة وجود شرور عمومية مثل العطالة عن العمل والحرب والمجاعة والفوضى والمعممة . هذا ما حدث على الأقل في الثورات الثلاث الكبرى الفرنسية والروسية والصينية . أما في البلدان المسيسة فيبدو أن الثورة اشد اليوم صعوبة مما كانت عليه في الأمس . فالسياسة هي في نهاية الأمر وسائطية بطبيعتها . 
سؤال :  منذ عام 1789 وفرنسا تفتخر ببعض أنواع الحرية الأساسية ما الذي تفعله الحكومة؟ واليسار المتطرف ؟هل يطالب هو أيضا بهذه الحريات البرجوازية ظاهريا؟ 
سارتر :  أن الحكومة تسعى للحد من هذه الحريات ما أمكنها وهكذا فاني اتهمت لإنى نشرت في " قضية الشعب " بعض العبارات بلا معنى بما فيه الكفاية وحول البوليس . وبدلا من أن يجيبونى على صفحات الجرائد تقدموا بتهمة ضدي . وهكذا فان حرية التعبير لمن هم مثلي هي محدودة جدا ، كما أن حرية التجمع محظورة بما أن أكثر المظاهرات التي أردنا تنظيمها في الساحة قد منعت من قبل مسؤولى الأمن . كما أن الحرية واستقلال السلطة التي كانت موجودة في الجمهورية الثالثة ( ومع أن الحكومة عملت على اعتقال Duclos  لكنها اضطرت لإطلاق سراحه بسبب كونه نائبا ) لا توجد بعد كما كانت موجودة آنئذ . 
وان الحركة التي ارتبط بها ، اى الحركة التي تدعم " قضية الشعب " لا ترى انه يمكن ازدراء هذه الحريات في حد ذاتها ، بل ترى إنها تجريدية . والطريقة الحقيقية لاستخدامها لا تكمن في خنقها بل في جعلها عملية وملموسة . فلحرية التعبير على سبيل المثال معناها ، وحرية الارتباط لها معناها ، غير أن هذا المعنى يجب أن يكون عمليا وملموسا . عندما كنت في الصين قال لي احد الصينيين :" أنا حر " فقلت له أنا : "لماذا؟"  فقال لي : "منذ عامين لم أكن املك سوى حذاء واحد ولم يكن بوسعي لهذا أن أشارك في بعض الألعاب الرياضية التي تهمني . أما الآن فلدى حذاءان ولهذا فاني حر في أن افعل".  وان خطيئة الثورة السوفيتية كانت تكمن إلى حد بعيد في إنها خنقت الحريات وهذا غير منصوص عليه في دستورها ، غير انه بعد ستالين أصبح أمرا واقعيا . 
سؤال : ايطاليا أيضا تفتخر ببعض الحريات السياسية لكن منذ فترة اقرب. هل هي غيورة عليها ، وترى إنها في خطر أم إنها " شكلية " بحتة ؟ ما هو جواب مورافيا ؟ 
مورافيا : الحريات الأساسية تتلخص في نهاية الأمر في حرية واحدة ، تلك التي وصفتها روزا لوكسمبرغ على الشكل التالي " الحرية هي حرية التفكير بصورة مختلفة ". إنها حرية قديمة قدم العالم ، رغم إنها تأكدت خلال فترات مختلفة وتجمدت من قبل الثورات البرجوازية المتعددة بدءا من ثورة الـ 89 . غير أن كونها حرية برجوازية أساسية يجب أن يحمل على التأمل كل أولئك الذين يريدون إنقاذ مصالحهم بإلغائها . فمن غير تلك الحرية ينتقل الحديث عن الحرية وبصورة مباشرة إلى تلك الحرية "العملية والملموسة" التي تكلم عنها سارتر والكامنة في امتلاك حذاء أخر ليكون الإنسان "حرا" في المشاركة في الألعاب الرياضية . 
سؤال : عندما يجرى الكلام عن الفاشية يدور التفكير حول حزب جماهيري فهل من الممكن قيام هذا النوع من الفاشية في فرنسا وإذا لم يكن ممكنا، هل ترى قيام فاشية من نوع أخر ؟ 
سارتر :  الفاشية هي سلطة الأخر ، اى أساسيا هي السلطة الديكتاتورية المرتبطة بحزب جماهيري عليه أن يقوم بدور الوسيط بين الأعلى والأسفل . ومن المستحيل تفهم حزب مماثل في فرنسا الآن . غير أن عناصره متوفرة . لكن هناك شكلا أخر للديكتاتورية قويا قوة الديكتاتورية الفاشية من غير أن يكون على أية حال مرائيا وواضحا مثلها ومن غير أن يستعمل أساليبها نفسها . فالحزب الفاشي ، ممثل جانب من الجماهير كان يمثل القمع المكشوف : كان يهدم حانوت يهودي أو يسئ معاملة العمال الشيوعيين أو كان يتأكد من طاعة الجميع له في حياتهم الخاصة أما اليوم فلا حاجة لكل هذا بعد والأمور تجرى بصورة مختلفة . فظاهريا يتم الحفاظ على أشكال الديمقراطية البرجوازية القديمة ، لكن بصورة ظاهرية تامة. أولا نرى أن المجلس لا يمتلك أية صلاحية . وتنتخبه أكثرية محافظة هي اليوم حزب UDR  وعندما ينتخب يقدم استقالته ، اى انه يهجر السلطات التي كانت المجالس تمتلكها على الأقل خلال الجمهورية الثالثة . وهو يكتفي بالتصويت على ما يقترحه رئيس الحزب ، والذي هو رئيس الوزراء ولهذا فالمجلس لا يملك بين يديه المراكز التقريرية . إنها ليست ديمقراطية بعد . والحماقة إذن التصويت ، هي إرسال الأحزاب القانونية إلى السلطة . 
والطريق الوحيدة لمساعدة الناس على الوعي والإدراك هي الوصول للقول إليها " لكن ، عندما تكون وحيدا ( مع أن الكتل الجماهيرية هي أكوام من الأفراد المعزولين من قبل الرأسمالية ) فانك ترى الأشياء على هذا المنوال الآن لنتجمع وبين الجماعة يبدو عن حق كل ما يراه الإنسان وكل ما يفكر به ". 
سؤال :  وهل يرى مورافيا إمكانية نمو حزب فاشي في ايطاليا ؟ 
مورافيا :  أرى الأمر كما يراه ويلهلم رايخ ( سيكولوجيا الكتل الجماهيرية في الفاشية ) اى بينما نرى أن الاشتراكية موجودة منذ اقل من قرنين فان الفاشية على إنها هلوسة خضوع الإنسان للسلطة ، تعود إلى ستة ألاف سنه خلت . وهذا الفاشي هو قائم على الدوام . على أية حال فان الحلول الفاشية التقليدية ( من النوع المتوسطي ) تبدو اليوم في ايطاليا قليلة الترجيح . وأظن أن هناك إمكانية أعظم لمحاولة تسليط من النوع الأوربي وهذا لان ايطاليا عام 1972 هي بلد اشد تعقيدا . وحداثة وغنى من ايطاليا عام 1922 .واعتقد من جهتي أن خطر الفاشية الأعظم يكمن في عدم مقدرة الطبقة الحاكمة على تأمين أماكن العمل والسلطة لجميع شبان الطبقات المتوسطة . وإذا ما أمعنا النظر في أصول تمردات اليمين نرى أن فيها عطالة الأطر قبل كل شئ . فالأجيال شديدة الكثافة كثيرة والاقتراب من السلطة شديد البطء ومعقد . وهكذا فان من يفقد صبره يعجن ما يسمى بـ " الحركات " (وهى كلمة معبرة جدا) ليبعد عن السلطة من في السلطة ويحتلها بدوره. 
سؤال: لقد وقعت منذ قليل من الوقت عريضة لصالح الناشر الألماني كلاوس فاغينباخ ضد منع كتابين كتبت أحدهما جماعة بادر- ماينهوف . فأية فاعلية ترى لهذه العريضة ، وما هي العرائض والبيانات والنداءات التي توجهها بشكل عام؟. 
سارتر : أن أوقع عريضة ضمن اتجاه اليسار ، بكل معنى الكلمة أمر لا غضاضة فيه . لكنى لا أعطى أية أهمية لتوقيع ما . وعندما يصدر بيان ضد الحكومة يوقع عليه المفكرون يقال : حسنا ، إنهم يستخدمون حريتهم في التعبير ، ذلك كما يقال عند التصويت. إنهم يستعملون حريتهم في التصويت . غير أن هذا لا يفيد في واقع الأمر شيئا . وأمر لا يصدق هو عدد البيانات والعرائض التي وقعتها منذ عام 1945م وما بعده . واحد أو اثنان أفادا بعض الشئ كان هناك بيان الـ 121 مفكرا حول الحرب الجزائرية والذي أعلنا فيه عزمنا على دعم الفارين من الخدمة العسكرية . لقد أنار هذا البيان كثيرا من الضجة وساعد لكن ليس كثيرا . 
سؤال :  وهل يرى مورافيا أن للعرائض والبيانات والنداءات الخ … التي يوقعها المفكرون فعالية ما . 
مورافيا :  لا اعتقد أن لها فعالية كبيرة : على أية حال لا يمكن للمرء أن يرفض التوقيع عليها بأدب . ومن جهة أخرى لا يمكن للمفكرين ألا يوقعوا عليها : انه جانب ، رغم انه جانب ثانوي ، من جوانب نشاطهم المهني أن صح مثل هذا القول . 
سؤال :  من هو المفكر علميا ؟ 
سارتر : اعتقد أن المفكر هو الضمير التعيس ، انه شخص يؤكد أن رسالته عامة وشاملة . ومطامحه تكمن في انه يريد تثبيت صيغ أو إعطاء أوصاف بالعلاج وعلى سبيل القول . غير أن المفكر هو أيضا من يدرك إذ يعمل بالعمومي من خلال العلم العملي ، أن كل ما يفعله ينحاز لصالح جانب واحد . فإذا عولج العمال نوعا ما، فرغم كل شئ الطب هو طب طبقي والعدل هو عدل طبقي . إننا نجد تناقضا على الدوام بين العمومي الذي نخدمه وبين الخصوصى الذي هو الطريقة التي نستخدم بها المفكر . هذا التناقض اسميه أنا الضمير التعيس : أنهما عمومي وخصوصي هيجل اللذان يتصارعان وهما في حال تناقض داخل الضمير . والمفكر الكلاسيكي هو الذي يسر لضميره التعيس . وهو يقول لنفسه بما انه تعيس فلابد أن يستخدم , كما انه يقوم بمهمته وهو يكرر : يا للمصيبة ! ثم يشير كم من العمومي ومن الخصوصى يوجد في إجراء ما تتخذه الحكومة . بيد انه كان تعيسا إلى حد بعيد فمن الأفضل أن يقضى على نفسه على انه مفكر كلاسيكي . وبالفعل هناك أشخاص وكتل جماهيرية وجماعات ، اى الشعب باختصار والذي يخلق نفسه تدريجيا ليطلب العمومي . أن الشعب لا يريد اختيارا ، أو تنسيقا بل يريد العمومية والمساواة . وهكذا لابد من الوقوف إلى جانبه : فالمفكر هو مفكر عندما ينتقل إلى مستوى الشعب الذي يريد العمومي عن حق . 
إن بحوزة المفكرين الآن عددا معينا من المعارف اقل مما يظنون واقل بكثير، غير أن بوسع عدد معين من هذه المعارف أن يكون ذا نفع . فليذهبوا نحو الشعب وليضعوا أنفسهم تحت تصرفه وليعملوا من اجله وليفعلوا ما هو غير قانوني عندما يفعله . فالمفكر هو بصورة أساسية على هذه الصورة .  ثم أن المفكرين لا يطرحون من أنفسهم هذا السؤال : وكيف سيستقبلوننا ؟ الواقع – وبوسعي أن أشهد على هذا – إنهم يستقبلوننا على أحسن وجه . والإحساس الوحيد الذي لاحظته في البدء كان قليلا من الدهشة : انظر . إنهم يأتون إلينا . بعدها نتفاهم بصورة جيدة جدا : فلن يكون هناك مفكرون وعمال ، بل لن يتعدى الأمر أمر عمل ينجز معا . 
سؤال :  ومورافيا ؟
مورافيا : المفكر ، في ايطاليا على وجه الخصوص ، هو إطار يتمتع بالسلطة ولهذا فهو يعمل على انه سلطة ، أو انه لا يملك السلطة بعد وهو يطمح لهذا إليها . أما في فرنسا فمازال متبقيا  المفكر ما قبل الماركسي ، اى النزيه الذي لا يعمل لمصلحته ، أو الـ "Phiosophe"غير أنى لا اعلم إلى أي حد . ويبدو أن المفكرين في ايطاليا والآن في كل مكان ، سيصبحون أطرا أو مديرين للإيديولوجية فضلا عن كونهم دعاة هذه الإيديولوجية نفسها من خلال وسائل الأعلام ، وبوسعنا أن نجازف ونفترض بان المفكرين يأخذون المكان الذي كان يحتله الرهبان في الماضي . أما الفنان فهو على العكس من ذلك صانع فن يدوى ، ولو كان هذا يجرى على مستوى رفيع أو رفيع جدا، اى انه بروليتارى من البروليتاريا ولا أهمية البتة له. غير أن بوسع الفنان أن يكون "أيضا" مفكرا. أما المفكر فهو ليس فنانا على الإطلاق .  

الثلاثاء، 14 مارس 2017

مقولة المجتمع المدني والدولة في الخطاب الهيجلي "تاريخية المفهوم"


سيد محمد أحمد

بعد أكثر من ثلاثة عقود من انتصار الثورة الفرنسية ظهر مفهوم "المجتمع المدني" CIVIL SOCIETY  في كتابات هيجل عندما نشر كتابه الشهير  "أصول فلسفة الحق" ولم يكن هيجل صاحب السبق في إرساء هذا المفهوم ولكن المفهوم حافل فهو تاريخ تحولات دلالته منذ تشكيله اللاتيني SOCIETAS CIVILIS   ماراً  بتشكيلات المعرفة التي تعبر عن معرفية تاريخية متميزة جدا كالتي عاشها فيرجسون و هيجل وجرامشي  ، وفي كل تكون للمعرفة يأخذ مفهوم المجتمع المدني معنى جديد يعبر عن قطيعة واضحة مع المعنى القديم .(1) 
وبداية المفهوم كانت مع بداية الفترة الحديثة وعصر النهضة وهي المرحلة التي مهدت للثورة البرجوازية وفي مقدمتها الثورة الفرنسية (هوبز ، ديريدو ، روسو ) وقد ظهرت مع المفهوم مفاهيم جديدة أخرى مثل الوطن والدولة ، ومن الملاحظ أن المفهوم قد ولد ونشاء في الصراع السياسي والاجتماعي الذي عرفه المجتمع الأوربي منذ القرن السابع عشر ،  فيجب إنزال المفهوم في ظرفيته التاريخية ، ولا يمكن أن نفهم المكانة البارزة التي حظى بها المفهوم عند هيجل إلا من خلال مرحلته التاريخية، فقد تطور بتطور الرأسمالية وخاصة بتطور حقوق البرجوازية السياسية والاقتصادية وتعد أساسا قويا من أسس أيديولوجية الليبرالية   ، فالمرحلة التي كانت تمر بها ألمانيا كانت تتسم بضعف الدولة وبروز  الأرستقراطية البروسية وكان لابد من ظهور دور حاسم للدولة ، وكان هيجل يطالب بقيام دولة قوية مستقلة ومتموقعة فوق المجتمع المدني ، فهو لا يعتقد في وجود حقوق طبيعية للإنسان بل أن المجتمع المدني لديه حقيقة طبيعية أو ما قبل تاريخية وإنما هو لحظة في التطور التاريخي متميزة بالتنافس في المصالح الفردية طبقا لطبيعة الاقتصاد البرجوازي .  فالفردية هي أخلاقية المجتمع المدني دائرة من الحياة الأخلاقية التي تقع بين العالم البسيط للعائلة الأبوية والدولة المتميزة بأخلاقية عالية ، فهيجل لا يعتقد في وجود اتجاه لدى البرجوازيين الذين يكونون هيكل المجتمع المدني للتصرف عفويا كمواطنين .
إذن المجتمع المدني يحتاج حسب هيجل لدولة متموقعة فوقه وتتحرك بطريقة مستقلة لفرض النظام وضمان التعددية .(2)    
ومن هنا يتضح دور الدولة وعلاقته بمفهوم المجتمع المدني لدى هيجل وهو مفهوم يسير داخل منظومة هيجل الجدلية ، فالنظرية السياسية عند هيجل هي "العقل" وقد تموضع أو تجسد في مؤسسات اجتماعية عينية ، ولذا انقسمت الفلسفة السياسية عنده إلى ثلاثة أقسام تناظر المنطق وهي : الحق المجرد ، ثم الأخلاق الذاتية "الضمير" وأخيرا الأخلاق الاجتماعية ،  أما الحق المجرد فهو يدرس الحقوق التي تنشأ بوصفها مطالب للموجود البشري بصفة عامة لا بوصفه مواطن في دولة أو عضو في مجتمع ومن هنا جاء التجريد ، أما الأخلاق الذاتية أو أخلاق الضمير فهي تجعلنا ننتقل من الخارج حيث كانت تتموضع الحرية إلى الداخل مثلما تفعل في دائرة الماهية تماما .  فلا شك أننا هنا أمام الجانب الباطني في الإنسان : الغرض ، النية ، الخير ، الشر ..الخ.
لكن لا الحق المجرد ولا الخير ذاتيا يظلان في دائرة التجريد أو الذاتية ، بل لابد لهما من التحقق الفعلي في عالم الواقع ، فالأسرة هي الكلي من حيث الرابطة بينها، والغاية التي تسعى إليها . بل أن قيمة كل عضو فيها إنما تستمد من هذه الكلية فإذا تفككت الأسرة عن طريق زواج الأعضاء أو موت العائل أو لأي سبب أخر تحول كل عضو إلى جزء مستقل قائم بذاته يبحث عن مصالحه الخاصة ، وتلك هي الذرات الجزئية التي يتألف منها المجتمع المدني ، أما الدولة فهي الفرد الذي يشمل في جوفه الكلي والجزئي ، ومن ثم فلا يمكن أن تكون الدولة استبدادية ، لأن الاستبداد يعني أن الدولة تقوم على الكلية الصورية التي تخلو تماما من عنصر الجزئية ، وهو ما كان قائم في النظم القديمة ، بل ما عبرت عنه جمهورية أفلاطون ، أما الدولة الهيجلية فهي فرد يشمل الكلي العيني لأنه يرعى مصالح الجزئي . (3) 
ومفهوم المجتمع المدني من المفاهيم الأولى التي جادل فيها ماركس عام 1843 في نقده حقوق الدولة في الرؤية الهيجلية ، وهدف في نقده إلى إضفاء محتوى مادي أكثر على المفهوم ونشره باعتباره مفهوم ثوري وليس مجرد مفهوم فلسفي . فالمجتمع المدني هو الفضاء الذي يتحرك فيه الإنسان ويدافع عن مصالحه الشخصية ويضع مقابل ذلك التي لا تمثل في نظره إلا فضاء بيروقراطي يتحول فيه الإنسان إلى عضو ضمن جماعة مسيرة .(4) 
إن موقف ماركس فعلا قريب من موقف هيجل تجاه المجتمع المدني وأنه بمثابة ساحة المواجهات بين المصالح الاقتصادية طبقا للأخلاق البرجوازية ولكن تأويل ماركس لهيجل يعطي نتيجة مضادة فلقد نقد ماركس فكرة الدولة عند هيجل من خلال تحليلاته لفلسفة الحق وتحليلاته أيضا للإيديولوجية الألمانية ، التي تتناول تاريخية الدولة وعلاقتها بالمجتمع المدني ، تفاعلها مع مالكي الثروة ، بل مع شتى الطبقات..الخ .(5) 
عندما يناقش هيجل في مؤلفه "فلسفة الحق" الدولة والمجتمع فإنه يعتبر المجتمع المدني هو ميدان الخاص أو الجزئي أما تعميم المجتمع بوصفه العام أو الكلي فيتوقف على النظام القائم في حقل أخر مختلف تماما ، حقل منفصل ومستقل هو الحق السياسي ، إن هيجل يعتبر البيروقراطية هي الطبقة العامة الشاملة ، فإذا خلطنا بين الدولة والمجتمع المدني وإذا جعلنا الغاية الخاصة من الدولة هي الأمن وحماية الملكية الخاصة والحرية الشخصية ، كانت مصلحة الأفراد بما هم كذلك الغاية النهائية التي اجتمعوا من أجلها . وينتج عن ذلك أن تكون عضوية الدولة هي مسألة اختيارية غير أن علاقة الدولة بالفرد شئ مختلف عن ذلك أتم الاختلاف  ، فما دامت الدولة هي الروح وقد تموضعت فإن الفرد لن تكون له موضوعية ولا فردية أصيلة ولا حياة أخلاقية إلا بوصفه عضو من أعضائها ، إن الاتحاد الخالص والبسيط هو المضمون الحقيقي والهدف الصحيح للفرد ، ومصير الفرد هو أن يعيش حياة كلية جماعية ، والإشباع الجزئي الأبعد من ذلك والنشاط ونمط السلوك تتخد من هذه الحياة الجوهرية والمشروعة على نحو كلي ، نقطة البداية والنهاية .(6)
خلاصة القول هو أن الدولة عند هيجل تمثل الوجه الأخر للعملة في علاقاتها بالمجتمع المدني ، وأن مفهوم المجتمع المدني مفهوم سياسي ولذلك أرتبط بمفهوم الدولة والليبرالية والديمقراطية ، فلا يمكن أن تكون ديمقراطية بدون مجتمع مدني ولا يمكن أن يقوم المجتمع المدني بعيدا عن الدولة ، بشرط البعد عن الحكم المطلق الاستبدادي ، نعم أنه لا بديل عن وجود دولة قوية مهيمنة ولكن بشرط أن تكون دولة ليبرالية ديمقراطية وليست استبدادية . فالدولة عند هيجل هي الوجود بالفعل للفكرة الأخلاقية . ففي الروح الأخلاقي من حيث هي إرادة جوهرية تتجلى وتظهر وتعرف وتفكر في ذاتها وتنجز ما تعرف بمقدار ما تعرف . 
وتوجد الدولة على نحو مباشر في العرف والقانون ، وعلى نحو غير مباشر في الوعي الذاتي للفرد ومعرفته ونشاطه ، في حين أن الوعي الذاتي بفضل ميله تجاه الدولة يجد فيها ـ  بوصفها ماهيته وغاية نشاطه ومحصلته ـ حريته الجوهرية .
فأساس الدولة عند هيجل القانون ، والقانون ليس عاملا خارجيا وليس بقوة خارجة عن الفرد إنما هو وعي ، على اعتبار أن الفرد موجودا عاقلا حرا ، فالقانون يتفق مع العقل "لأن مضمون القانون هو الحق ، أو ينبغي أن يكون هو الحق" وهناك شروط أربعة أساسية للتحديد العقلي للحق بحيث يصبح قانونا ، " تشريعا" ، وهي:
1- لابد أن يكون عاما وشاملا ، يطبق على الجميع ، وبالتالي فهو المبدأ الأقصى للعدالة التي تحسم أي نزاع بين الناس
2- لكي يكون القانون مشروعا "لابد أن يعرف على نحو كلي" بمعنى أنه لابد لكل مواطن أن يعرف مضمونه ، حتى يكون مسئولا أمام بنوده.
3- يجب أن ينفذ ويدعم هذا القانون سلطة عامة ، ومهمة هذه السلطة أن تتحقق من أن العدالة قد أخذت مجراها في حالة انتهاك القانون.
4- لا يكون قانونا مشروعا ما لم يتمثل روح الشعب كواقع تاريخي ويعبر عنه، أي مستمد من قيمه وطموحاته وعاداته وتقاليده وتأثير وضعه الجغرافي على مزاجه الثقافي. (7)
فمفهوم المجتمع المدني ومفهوم الدولة عند هيجل ما هما إلا مفاهيم يوتوبية فمفهوم الدولة موجه نحو تسلط الدولة واستبدادها وضد احتكار الثروة الاجتماعية ومفهوم المجتمع المدني هو حلم سعادة البشرية ورفاهيتها .  فهو الصورة المثالية لأشكال التضامن والوفاق الجماعي من أجل الدفاع عن مصير المجتمع وذلك من خلال تقنين سلطة الدولة وليس بإلغاء الدولة وبالإبقاء على الطبقات والثروات فلا يخلو المجتمع المدني من الطبقية والأهلية ولكن في ظل وجود دولة بل بالشراكة مع الدولة .

سارتر بين الوجوديين